تجاوز إلى المحتوى

من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

ومن أغراض الإشارات الصوفية وغيرها من الوعظ والجدّ والحكم، ولعلّ ذلك ماحيا لما تقدّمه بفضل الله (٣)

الصفحة ٢ من ٢

ولئن أحييت بها فيما سلف نفوسا تفديك، والله إلى الخير يهديك، فنحن نقول معشر مريديك: ثنّ ولا تجعلها بيضة الدّيك، وعذرا فإنّي لم أجترىء على خطابك بالفقر الفقيرة، وأدللت لدى حجراتك برفع العقيرة، عن نشاط بعثت مرموسه، ولا اغتباط بالأدب تغري بسياسته سوسه، وانبساط أوحى إليّ على الفترة ناموسه، وإنما هو اتفاق جرّته نفثة المصدور، وهناء الجرب المجدور، وخارق

لا مخارق، فثمّ قياس فارق، أو لحن غنّى به بعد البعد مفارق. والذي هيّأ هذا القدر وسبّبه، وسوّغ منه المكروه وحبّبه، ما اقتضاه الصّنو يحيى، مدّ الله حياته، وحرس من الحوادث ذاته- من خطاب ارتشف به لهذه القريحة بلالتها، بعد أن رضي علالتها، ورشّح إلى الصّهر الحضرمي سلالتها، فلم يسع إلّا إسعافه، بما أعافه، فأمليت مجيبا، ما لا يعدّ في يوم الرّهان نجيبا، وأسمعت وجيبا، لمّا ساجلت بهذه التّرهات سحرا عجيبا، حتى إذا ألف القلم العريان سبحه، وجمح برذون الغرارة فلم أطق كبحه، لم أفق من غمرة غلوّه، وموقف متلوّه، إلّا وقد تحيّز إلى فئتك مغترّا، بل معترّا، واستقبلها ضاحكا مفترّا، وهشّ لها برّا، وإن كان لونه من الوجل مصفرّا، وليس بأول من هجر، في التماس الوصل ممّن هجر، أو بعث التّمر إلى هجر، وأي نسب بيني اليوم وبين زخرف الكلام، وإجالة جياد الأقلام، في محاورة الأعلام، بعد أن حال الجريض دون القريض، وشغل المريض عن التّعريض، واستولى الكسل، ونصلت الشعرات البيض، كأنّها الأسل، تروع برقط الحيّات، سرب الحياة، وتطرق بذوات الغرر والشّيات، عند البيات. والشّيب الموت العاجل، وإذا ابيضّ زرع صبّحته المناجل، والمعتبر الآجل. وإذا اشتغل الشيخ بغير معاده، حكم في الظاهر بإبعاده، وأسره في ملكة عاده، فأغض، أبقاك الله، واسمح، لمن قصّر عن المطمح، وبالعين الكليلة فالمح، واغتنم لباس ثوب الثّواب، واشف بعض الجوى بالجواب، تولّاك الله

فيما استضفت وملكت، ولا بعدت ولا هلكت، وكان لك آية سلكت، ووسمك من السعادة بأوضح السّمات، وأتاح لقاءك من قبل الممات. والسلام الكريم يعتمد جلال ولدي، وساكن خلدي، بل أخي، وإن اتّقيت عتبه وسيدي، ورحمة الله وبركاته. [من محبّه المشتاق إليه محمد بن عبد الله بن الخطيب، وفي الرابع عشر من شهر ربيع الثاني، من عام سبعين وسبعمائة].

وخاطبت الفقيه أبا زكريا بن خلدون، لما ولّي الكتابة عن السلطان أبي حمّو موسى بن زيّان، واقترن بذلك نصر وصنع غبطته به، وقصدت بذلك تنفيقه وإنهاضه لديه:

نخصّ الحبيب الذي هو في الاستظهار به أخ وفي الشّفقة عليه ولد، والوليّ الذي ما بعد قرب مثله أمل ولا على بعده جلد، والفاضل الذي لا يخالف في فضله ساكن ولا بلد، أبقاه الله وفاز فوزه وعصمته لها من توفيق الله سبحانه عمد، ومورد سعادته المسوغ لعادته لا غور ولا ثمد، ومدى إمداده من خزائن إلهام الله وسداده ليس له أمد، وحمى فرح قلبه بمواهب من ربّه أن يطرقه كمد. تحية محلّه، من صميم قلبه بمحلّه، المنشئ رواق الشّفقة مرفوعا بعمد المحبّة والمقة فوق ظعنه وحلّه، مؤثره ومجله، المعتني بدقّ أمره وجلّه، ابن الخطيب. من الحضرة الجهادية غرناطة صان الله خلالها، ووقى هجير هجر الغيوم ظلالها، وعمر بأسود الله أغيالها، كما أغرى بمن كفر بالله صيالها. ولا زائد إلّا منن من الله تصوب، وقوة يستردّ بها المغصوب، ويخفض الصّليب المنصوب، والحمد لله

الذي بحمده ينال المطلوب، وبذكره تطمئنّ القلوب. ومودّتكم المودّة التي غذّتها ثديّ الخلوص بلبانها، وأحلّتها حلائل المحافظة بين أعينها وأجفانها، ومهّدت مواتّ أخواتها الكبرى أساس بنيانها، واستحقّت ميراثها مع استصحاب حال الحياة، إن شاء الله، واتصال أزمانها، واقتضاء عهود الأيام بيمنها وأمانها. ولله درّ القائل:

فإن لم يكنها أو تكنه فإنّهأخوها غذته أمّه بلبانها

وصل الله ذلك من أجله وفي ذاته، وجعله وسيلة إلى مرضاته، وقربة تنفع عند اعتبار ما روعي من سنن الجبّار ومفترضاته. وقد وصل كتابكم الذي فاتح بالريحان والرّوح، وحلّ من مرسوم الحياة محلّ البسملة من اللّوح، وأذن لنوافح الثناء بالبوح، يشهد عدله بأنّ البيان يا آل خلدون سكن من مثواكم دار خلود، وقدح زندا غير صلود، واستأثر من محابركم السيّالة وقضب أقلامكم الميّادة الميّالة بأب منجب وأمّ ولود، يقفو شانيه غير المشنوّ، وفصيله غير الجرب ولا المهنوّ، من الخطاب السلطاني سفينة منوح، إن لم نقل سفينة نوح. ما شئت من آمال أزواج، وزمر من الفضل وأفواج، وأمواج كرم تطفو فوق أمواج، وفنون بشائر، وإهطاع قبائل وعشائر، وضرب للمسرّات أعيا السّامر. فلله هو من قلم راعى نسب القنا فوصل الرّحم، وأنجد الوشيج الملتحم، وساق بعصاه من البيان الذّود المزدحم، وأخاف من شذّ عن الطاعة مع الاستطاعة فقال: لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ

. ولو لم يوجب الحقّ برقه ورعده، ووعيده ووعده، لأوجبه يمنه وسعده. فلقد ظهرت مخايل نجحه، علاوة على نصحه، ووضحت محاسن صبحه، في وحشة الموقف الصّعب وقبحه، وصل الله له عوائد منحه، وجعله إقليدا

كلما استقبل باب أمل وكّله الله بفتحه. أمّا ما قرّره ولاؤكم من حبّ زكا عن حبّة القلب حبّه، وأنبته النبات الحسن ربّه، وساعده من الغمام سكبه، ومن النّسيم اللّدن مهبّه، فرسم ثبت عند الوليّ نظيره، من غير معارض يضيره، وربما أربى بتذييل مزيد، وشهادة ثابت ويزيد. ولم لا يكون ذلك وللقلب على القلب شاهد؟ وكونها أجنادا مجنّدة لا يحتاج تقريره إلى ماهد، أو جهد جاهد. ومودّة الأخوّة سبيلها لاحب، ودليلها للدّعوى الصادقة مصاحب، إلى ما سبق من فضل ولقاء، ومصاقبة سقاء واعتقاد، لا يراع سربه بذئب انتقاد، واجتلاء شهاب وقّاد، لا يحوج إلى إيقاد. إنما عاق عن مواصلة ذلك نوى شطّ منها الشّطن، وتشذيب لم يتعيّن معه الوطن. فلمّا تعيّن، وكاد صبح الحقّ أن يتبيّن، عاد الوميض ديجورا، والثّماد بحرا مسجورا، إلى أن أعلق الله منكم اليد بالسّبب الوثيق، وأحلّكم بمنجى نيق، لا يخاف من منجنيق، وجعل يراعكم لسعادة موسى معجزة تأتي على الخبر بالعيان، فتخرّ لثعبانها سحرة البيان:

أيحيى، سقى، حيث لحت، الحيافنعم الشّعاب ونعم الرّكون
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أيحيى سقى حيث لحت الحيا»
وحيّا يراعك من آيةفقد حرّك القوم بعد السّكون
دعوت لخدمة موسى عصاهفجاءت تلقّف ما يأفكون
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أيحيى سقى حيث لحت الحيا»
فأذعن من يدّعي السّحر رغماوأسلم من أجلها المشركون
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أيحيى سقى حيث لحت الحيا»
وساعدك السّعد فيما أردتفكان كما ينبغي أن يكون
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أيحيى سقى حيث لحت الحيا»

فأنتم أولى الأصدقاء بصلة السّبب، ورعي الوسائل والقرب. أبقاكم الله وأيدي الغبطة بكم عالية، وأحوال تلك الجهات بدرككم المهمات حالية، وديم المسرّات من إنعامكم المدرّات على معهود المبرّات متوالية. وأما ما تشوّفتم إليه من حال وليّكم فأمل متقلّص الظّل، وارتقاب لهجوم جيش الأجل المطلّ، ومقام على مساورة الصّلّ، وعمل يكذّب الدعوى، وطمأنينة تنتظر الغارة الشّعوا.

ويد بالمذخور تفتح، وأخرى تجهد وتمنح، ومرض يزور فيثقل، وضعف عن الواجب يعقل إلّا أنّ اللطائف تستروح، والقلب من باب الرجاء لا يبرح. وربما ظفر اليائس، ولم تطّرد المقايس، تداركنا الله بعفوه، وأوردنا من منهل الرّضا والقبول على صفوه، وأذن لهذا الخرق في رفوه. وأمّا ما طلبتم من انتساخ ديوان، وإعمال بنان في الإتحاف ببيان، فتلك عهود لديّ مهجورة، ومعاهد لا متعهّدة ولا مزورة، شغل عن ذلك خوض يعلو لجبه، وحوض يقضى من لغط المانح عجبه، وهول جهاد تساوى جمادياه ورجبه، ولولا التماس أجر، وتعلّل بربح تجر، لقلت: أهلا بذات النّحيين. فلئن شكت، وبذلت المصون بسبب ما أمسكت، فلقد ضحكت في الباطن ضعف ما بكت. ونستغفر الله من سوء انتحال، وإيثار المزاح بكلّ حال. وما الذي ينتظر مثلي ممّن عرف المآخذ والمتارك، وجرّب لما بلا المبارك، وخبر مساءة الدّنيا الفارك؟ هذا أيها الحبيب ما وسعه الوقت الضيق، وقد ذهب الشّباب الرّيّق. فليسمح فيه معهود كمالك،

جعل الله مطاوعة آمالك، مطاوعة يمينك لشمالك، ووطّأ لك موطّأ العزّ بباب كلّ مالك، وقرن النّجح بأعمالك، [وحفظك في نفسك وأهلك ومالك، والسّلام من فلان].

وكتبت إلى الأولاد وهم بالمنكّب صحبة السلطان، ﵁:

يا ساكني مرفا الشّوانيشوقي من بعدكم شواني
ولاهج الشّوق قد هوانيمن بعدكم فاقتضى هواني
كأنّه مالكا عنانيأنموذج من أبي عنان
لقد كفاني لقد كفانيباقي ذما ذاهب كفاني
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «ياساكني مرفأ الشواني»
منّوا على الخوف بالأمانيفأنتم جملة الأماني

إلى أيّ كاهن أتنافر، وفي أيّ ملعب أتجاول وأتظافر، وبين يدي أيّ حاكم أتظالم فلا أتغافر، مع هذا الجبل، الذي هو في الشكل جمل، حفّ به من الثّعب همل، سنامه التّامك أجرد، وذنبه الشابل كأنه جمل يطرد، وعنقه إلى مورد البحر يتعرّج ويتعرّد، وكأنما البنية بأعلاه خدر فاتنة، أو برق غمامة هاتنة، استأثر غير ما مرّة بأنسي، وصارت عينه الحمئة مغرب شمسي، حتى كأن هذا الشّكل من خدر وبعير، وإن كان مجاز مستعير، يتضمن شكوى البين، ويفرّق بين المحبّين:

ما فرّق الأحباب بعد الله إلّا الإبلوالناس يلحون غراب البين لما جهل
وما على ظهر غراب البين تقضى الرّحلولا إذا صاح غراب في الديار ارتحل

وما غراب البيت إلّا ناقة أو جمل

فأقسم لولا أنّ الله ذكر الإبل في الكتاب الذي أنزل، وأعظم الغاية بها وأجزل، لسللت عليه سلاح الدّعاء، وأغريت بهجره نفوس الرّعاء. وقلت: أراني الله إكسارك من بعير، فوق سعير، ولا سمحت لك عقبة الأندر والسعير، ببرّ ولا شعير:

دعوت عليك لمّا عيل صبريوقلبي قائل يا ربّ لا لا

نستغفر الله، وأيّ ذنب لذي ذنب شائل، وليث مائل، بإزاء لجّ هائل، يتعاوره الوعد والوعيد، فلا يبدي ولا يعيد، وتمرّ الجمعة والعيد، فلا يستدبر ولا يستعيد، إنما الذّنب لدهر يرى المجتمع فيغار، ويشنّ منه على الشّمل المغار، ونفوس على هذا الغرض تسانده، وتعينه ليبطش ساعده، وتقاربه فيما يريد فلا تباعده:

ولقد علمت فلا تكن متجنّياإنّ الفراق هو الحمام الأول
حسب الأحبّة أن يفرّق بينهمصرف الزمان فما لنا نستعجل

لكن المحبّ جنيب، ولغرض المحبوب سليب:

ويحسن قبح الفعل إن جاء منكمكما طاب عرف العود وهو دخان
للشاعر بهاء الدين زهير، من قصيدة «وحقكم ما غير البعد عهدكم»

وقد قنعت برسالة تبلّغ الأنّة، وتدخل بعد ذلك الصّراط الجنّة، ويعبّر لسانها عن شوقي من دون عقله، وتنظر عيني من بياض طرسها وسواد نفسها بمقله.

وإن كان الجواب، فهو الأجر والثّواب، ولم أر مثل شوقي من نار تخمد بطرس يلقى على أوارها، فيأمن عادية جوارها. لكنها نار الخليل ربما تمسّكت من

المعجزة بأثر، وعثرت على آثاره مع من عثر، جمع الله من الشّمل بكم ما انتثر، وأنسى بالعين الأثر، وحرس على الكل من مسوق وسائق، وموحش ورائق، سرّ القلوب، ومناخ الجوى المجلوب، ومثار الأمل المطلوب. ولا زالت العصمة تنسدل فوق مثواه قبابها، والسّعود تحمل في أمره العليّ منانها. فالمحبوب إليه حبيب وإن أساء، وأوحش الصباح والمساء:

إن كان ما ساءني ممّا يسرّكمفعذّبوا فقد استعذبت تعذيبي
للشاعر أبو العباس العزفي، اقرأ القصيدة

والسلام عليكم ما حنّ مشوق، وتأوّد لليراع في رياض الرّقاع قضيب ممشوق، ورحمة الله وبركاته.

وأجاب عن ذلك الفقيه أبو عبد الله بن زمرك، كاتب الدولة، والولدان عبد الله وعلي، بما يستحسن في غرض الرسالة وأبياتها، فراجعت الثلاثة بما نصه:

أكرم بها من بناء بانأرسخ في الفخر من أبان
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أكرم بها من بناء باني»
أجنا لديها الرّضا حنانمن المعاني جنا جناني
أيّ جبي للأكفّ دانما للمباري به يدان
أقسم بالذّكر والمثانما لك فيما سمعت ثان
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أكرم بها من بناء باني»
مدامة بزّت الأوانيتشطّ للقول كلّ وان
تقول أوضاعها الغوانيبالعلم عن زينة الغوان
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أكرم بها من بناء باني»
يا ربّ، بارك لمن بنانفي الفكر والقلب والبنان

هكذا هكذا، وبعين الحسود القذا، تستشار الدّرر الكامنة، وتهاج القرائح النّائمة، في حجر الغفلة الآمنة، وتقتضى الدّيون من الطباع الضامنة:

أعيذها بالخمس من ولائدقد قلّدت بنخب القلائد
أعيذها بالخمس من حبايبيغذّين بالمراضع الأطايب
أعيذها بالخمس من وجوهيصونها الله من المكروه

ويا ماتح قلب القلوب أرويت، وصدق ما نويت، البير بيرك، ذو حفرت وذو طويت، وما رميت إذ رميت، ولو علمنا السّرائر، لأعددنا لهذا المكيل الغرائر، ولو تحقّقنا إجابة السؤال، والنّسيج على هذا المنوال، لفسحنا الظروف لهذا النّوال. ساجلنا الغيوث فشححنا، وبارزنا اللّيوث فافتضحنا، وصلّينا والحمد لله على السلامة بما قدحنا، لا بل التمسنا نقبة، فأقطعنا تنوّرا، واقتبسنا جذوة، فأقبسنا نورا، وما كان عطاء ربّك محظورا:

ملك الثلاث الآنسات عنانيوحللن من قلبي بكلّ مكان
للشاعر العباس بن الأحنف، اقرأ القصيدة
هذي الهلال وتلك بنت المشتريحسنا وهذي أخت غصن البان

متى كان أفق المنكّب، مطلعا لهذا الكوكب، وأجمة ذلك الساحل الماحل، مرتبعا لهذا الذّمر الحلاحل، ومورد الجمل البادي العرّ، مغاصا لمثل هذا الدّرّ، إلّا أن يكون كنز هذا المرام، المستدعي للكلف والغرام، من مستودعات

تلك الأهواء والأهرام، دفنه الملك الغصّاب، بعد أن قدّست الأنصاب، وأخفى الأثر فلا يصاب، أو تكون الأنوار هنالك تتجسّم، والحظوظ تعيّن وتقسّم، والحقائق تحدّ وترسم، أو تتوالد بتلك المغارات يوسانيا وروسم. أنا ما ظننت بأن تثور من أجم الأقلام أسود، وتعبث بالسّويداوات من نتائج اليراع والدواة لحاظ سود. من قال في الإنسان عالما صغيرا فقد ظلمه، كيف والله بالقلم علّمه، ورفع في العوالم علمه.

لقد درّت حلمات تلك الأقلام من رسل غزير، وما كان فحل تلك الأقلام بزير، ولا سلطان تلك الطّباع المديدة الباع ليستظهر بوزير. إنما هي مشاكي كمال أوقدها الله وأسرجها، وملكات في القوة رجّحها مرجّح القوة فأبرزها إلى العقل وأخرجها.

وأحر بها أن تحطّ بذرى المدارك الإلهية رحالها، وتترك إلى الواجب الحقّ محالها، فتتجاوز أوحالها، مستنيرة بما أوحي لها. إيه بنيّة، أقسم بربّ البنيّة، وقاسم الحظوة السنيّة، لقد فزت من نجابتكم عند التماح إجابتكم بالأمنيّة، فما أبالي بعدها بالمنيّة. وقاه الله عين الكمال من كمال، صان سروجه من إهمال، واكتنفه بالمزيد من غير يمين وشمال، كما سوّغ الفقير مثلي إلى فقرها زكاة جمال، لا زكاة جمال. ولعمري، وما عمري عليّ بهيّن، ولا الحلف في مقطع الحقّ بمتعيّن، لقد أحقب منها إليّ ثلاث كتائب، قادها النّصر جنائب، ألفاتها العصي، ونوناتها القسيّ، وغاياتها المرام القصيّ، ورقومها الحلق، وجيادها قد فشا فيها البلق، بحيث لا استظهار للشيخ إلّا بشعب سدر، ولا افتراس إلّا لمرقة قدر، ودريد هذا الفن يحمل في خدر:

سلّت عليّ سيوفها أجفانهفلقيتهنّ من المشيب بمغفر
للشاعر ابن خفاجه، من قصيدة «حدر القناع عن الصباح المسفر»

فلولا تقدّم العهد بالسّلم، لخيف من كلمها وقوع الكلم. أما إحداهنّ ذات القتام، والدّلج بالإعتام، المستمدّ سوادها الأعظم من مسك الختام، فعلّلت

فريضة نظامها بالزيادة، وعلت يدها بمنشور السّيادة، ورسم شنشنتها المعروفة لأخزم، وجادها من الطّبع السّماك والمرزم، وضفر أشجاعها المضفّرة لزوم ما لا يلزم:

خدم اليراع بها فدبّجهاوسألت مجتهدا عن الغرض
فعلمت أنّ الصّلح مقصدهلتزول بعض عداوة الرّبض
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «خدع اليراع بها فدبجها»

وأما أختها التّالية، ولدّتها الحافلة الحالية، فنؤوم مكسال، ريقها برود سلسال، ومن دونها موارد ونسال، وذئب عسّال، وإن علّلت بنقص في النّظم، وقد أخذت من البدائع بالكظم، وامتكّته المعاني امتكاك العظم. وأمّا الثالثة فكاعب، حسنها بالعقول متلاعب، بنت لبون، لا لهمة حرب زبون، حيّاها الله وبيّاها، فما أعطر ريّاها:

تشمّ أرواح نجد من ثيابهمعند القدوم لقرب العهد بالدّار

ولو قصّرت لتغمّد تقصيرها، وكثر بالحقّ نصيرها، فكيف وقد أجادت، وصابت غمامتها وجادت. وقد شكرت على الجملة والتّفصيل، وعرفت منّة الباذل وجهد الفصيل، وطالعت مسائل البيان والتّحصيل، وقابلت مفضّض الضّحى بمذهّب الأصيل. وأثرت يدي وكانت إلى تلك الفقر فقيرة، ونبهت في عيني الدّنيا وكانت حقيرة، ورجحت أن لا تعدم هذه الأسواق مديرا، ولا تفقد هذه الآفاق روضة وغديرا. وسألت لجملتكم المحوطة للشّمل، الملحوظة بعين السّتر والحمل، عزّا أثيرا، وخيرا كثيرا، وأمنا تحمدون منه فراشا وثيرا. وعذرا أيها الأحباب، والصّفو اللّباب، عن كدح سنّ وكبرة، وفلّ استرجاع وعبرة، استرقته ولجّ الشّغب ذو النظام، والخلق فراش يكبّون منّي على حطام، ورسل الفرنج قد غشي المنازل منثالها، ونبحتها بالعشيّ أمثالها، والمراجعات تشكون اللّبث، والجباة تستشعر

المكيدة والخبث:

ولو كان همّا واحدا لبكيتهولكنّه همّ وثان وثالث

والله، ﷿، يمتّع بأنسكم من عدم الاستمتاع بسواه، وقصر عليه متشعّب هواه، ويبقي بركة المولى الذي هو قطب مدار هذه الأقمار، والأهلّة، لا بل مركز فلك الملّة، وسجلّ حقوقها المستقلّة، والسلام عليكم، ما حنّت النّيب إلى الفصال، وتعلّلت أنفس المحبّين بذكر أزمنة الوصال، وكرّت البكر على الآصال، ورحمة الله وبركاته.

وكتبت إلى بعض الفضلاء، وقد بلغني مرضه أيام كان اللحاق بالمغرب:

وردت عليّ من فئتي التي إليها في معرك الدهر أتحيّز، وبفضل فضلها في الأقدار المشتركة أتميّز، سحاءة سرّت وساءت، وبلغت من القصدين ما شاءت، أطلع بها صنيعة ودّه من شكواه على كل عابث في السّويداء، موجب اقتحام البيداء، مضرم نار الشّفقة في فؤاد لم يبق من صبره إلّا القليل، ولا من إفصاح لسانه إلّا الأنين والأليل، ونوى مدّت لغير ضرورة يرضاها الخليل، فلا تسل عن ضنين تطرّقت اليد إلى رأس ماله، أو عابد موزع متقبّل أعماله، وأمل ضويق في فذلكة آماله. لكني رجّحت دليل المفهوم على دليل المنطوق، وعارضت القواعد الموحشة بالفروق، ورأيت الخطّ يبهر والحمد لله ويروق، واللفظ الحسن ومض في حبره للمعنى الأصيل بروق، فقلت: ارتفع الوصب، وردّ من الصّحة المغتصب، وكلّة الحسّ والحركة هو العصب. وإذا أشرق سراج الإدراك حمل على سلامة سليطه، والرّوح خليط البدن والمرء بخليطه، وعلى ذلك فبليد احتياطي لا يقنعه إلا الشّرح، فيه يسكن الظّمأ البرح. وعذرا عن التكليف فهو محلّ الاستقصاء والاستفسار، والإطناب والإكثار. وزند القلق في مثلها أورى، والشّفيق بسوء الظن مغرى.

والسلام.

وخاطبت بعضهم: كتبت إلى سيدي، والخجل قد صبغ وجه يراعي، وعقّم ميلاد إنشائي واختراعي، لمكارمه التي أعيت منّة ذراعي، وعجر في خوض بحرها سفيني وشراعي، فلو كان فضله فنّا محصورا، لكنت على الشكر معانا منصورا، أو على غرض مقصورا، لزارت أسدا هصورا، ولم يكن فكري عن عقائل البيان

حصورا، لكنه نجد تألّق بكل ثنيّة، ومكارم رمت عن كلّ حنيّة، ومجد سبق إلى كل أمنيّة، وأياد ببلوغ غايات الكمال معنيّة. فحسبي الإلقاء باليد لغلبة تلك الأيادي، وإسلام قيادي، إلى ذلك المجد السّيادي، وإعفاء يراعي ومدادي. فإذا كانت الغاية لا تدرك، فالأولى أن يلقى الكدّ ويترك، ولا يعرّج على الادّعاء، ويصرف القول من باب الخبر إلى باب الدّعاء. وقد وصل كتاب سيّدي مختصر الحجم، جامعا بين النّجم والنّجم، قريب عهد من يمينه بمجاورة المطر السّجم، فقلت: اللهمّ كلّف سيدي وأجزه، ومدّ يده بالضّر فاخزه. ولله درّ المثل، أشبه امرؤ بعض برّه كمال واختصار، وريحان أنوف وإثمد أبصار. أعلق بالرّعي الذي لا يقرّ بعد الدار من شيمته، ولا يقدح اختلاف العروض والأقطار في ديمته. إنما نفسه الكريمة والله يقيها، وإلى معارج السعادة يرقّيها، قانون يلحق أدنى الفضائل بأقصاها، وكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها. وإني وإن عجزت عما خصّني من عمومها، وأحسّني من جموعها، لمخلّد ذكر يبقى وتذهب اللها، ويعلى مباني المجد تجاوز ذوابها السّها، ويذيع بمخايل الملك فما دونها، ممادح يهوى المسك أن يكونها، ويقطف له الروض المجود غصونها، وتكحل به الحور العين عيونها، وتؤدي منه الأيام المتهرّبة ديونها. وإن تشوّف سيدي، بعد حمده وشكره، واستنفاد الوسع في إطالة حمده، وإطابة ذكره، إلى الحال، ففلان حفظه الله يشرح منها المجمل، ويبيّن من عواملها الملغى والمعمل. وإما اعتناء سيدي بالولد المكفّن بحرمته، فليس ببدع في بعد صيته، وعلوّ همّته، على من تمسّك بأذمّته، وفضله أكبر من أن يقيّد بقصّة، وبدر كماله أجلّ من أن يعدّل بوسط أو حصّة. والله تعالى يحفظ منه في الولاء وليّ القبلة، ووليّ المكارم بالكسب والجبلّة، ويجعل جيش ثنائه لا يؤتى من القلّة، بفضله وكرمه، والسلام الكريم عليه، ورحمة الله وبركاته. وكتب في كذا.

ومن تشوف إلى الإكثار من هذا الفن، فعليه بكتابنا المسمى ب «ريحانة الكتّاب، ونجعة المنتاب».

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الإحاطة في أخبار غرناطة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.