تجاوز إلى المحتوى

من «الحلة السيراء» لابن الأبار (ت ٦٥٨هـ)

الْمِائَة الثَّالِثَة (٢)

الصفحة ١ من ٢

يُرِيد يحيى بن صقالة أَمِير الْعَرَب الْقَائِم على المولدين وَقَالَ يحيى بن أخي

يحيى بن صقالة من قصيدة طَوِيلَة يمدح فيهاسوارا وَيذكر وقيعة إلبيرة ويناقض العبلى شَاعِر المولدين وَقيل إِنَّهَا لسَعِيد بن جودي

لسوار على الْأَعْدَاء سيفأباد ذوى الغواية فأضمحلوا
للشاعر سعيد بن جودي، اقرأ القصيدة
سقاهم كأس حتف بعد حتفبهَا نهل العبيد مَعًا وعلوا
قتلت بِوَاحِد سوار ألفاوألفهم بواحدنا يقل
للشاعر سعيد بن جودي، اقرأ القصيدة
وَأكْثر قتلنَا لَهُم حَلَالبِمَا أرتكبوه ظلما وأستحلوا
فأوردنا رقابهم سيوفاًتشب النَّار مِنْهَا إِذْ تسل
للشاعر سعيد بن جودي، اقرأ القصيدة
ورثنا الْعِزّ عَن آبَاء صدقوإرثكم بني العبدان ذل

وَأول شعر العبلي

قد أنقصفت قناتهم وذلواوضعضع ركن عزهم الْأَذَل
فَمَا طلت دِمَاؤُهُمْ لديهموهاهم عندنَا فِي البير طل

وَمن شعر سوار قَوْله من قصيدة طَوِيلَة

صرم الغواني يَا هنيد مودتيإِذْ شَاب مفرق لمتي وقذالي
وصددن عني يَا هنيد وطالماعلقت حبال وصالهن حبالي

وَقتل فِي صدر سنة سبع وَسبعين وَمِائَتَيْنِ فَكَانَ أمده فِي رئاسته نَحْو الْعَام

سعيد بن جودي السَّعْدِيّ أَبُو عُثْمَان

هُوَ سعيد بن سُلَيْمَان بن جودي بن أَسْبَاط بن إِدْرِيس السَّعْدِيّ هُوَ من هوَازن من جند قنسرين

ولى جده جودي بن أَسْبَاط الشرطة للأمير الحكم الربضى وَولى أَيْضا قَضَاء بَلَده إلبيرة وَقع ذكر ذَلِك فِي الْمقنع من تأليف ابْن بطال فِي الْأَحْكَام وَلما قتل سوار بن حمدون ذلت الْعَرَب بمقتله وكل حَدهَا بِمَا نزل فِيهِ وَكَانَ قد أُصِيب على يَدي بعض أَصْحَاب ابْن حفصون فَيُقَال إِن جثته مزقها ثكالى نسَاء المولدين قطعا وَأكله كثير مِنْهُنَّ حنقاً عَلَيْهِ لما نالهن بِهِ الْمرة بعد الْمرة من الثكل فِي بعولتهن وأهليهن فَنصبت الْعَرَب لإمارتها بعده سعيد بن سُلَيْمَان بن جودي صَاحبه وعلقت آمالها بِهِ فَلم يسد مَكَانَهُ وَلَا بلغ مداه فِي السياسة على أَنه كَانَ شجاعاً بطلا وفارساً محرباً قد تصرف مَعَ فروسيته فِي فنون الْعلم وَتحقّق بضروب الْأَدَب فاغتدى أديبا تحريرا وشاعراً محسناً تعد لَهُ عشر خِصَال تفرد بهَا فِي زَمَانه لَا يدْفع عَنْهَا الْجُود والشجاعة والفروسية وَالْجمال وَالشعر والخطابة والشدة والطعن وَالضَّرْب والرماية وهابه ابْن حفصون هَيْبَة لم يَهَبهَا أحدا مِمَّن مارسه إِذا لم يلقه قطّ إِلَّا علاهُ وهزمه

وَلَقَد دَعَاهُ فِي بعض أيمامهم إِلَى المبارزة فَلم يجبهُ ابْن حفصون إِلَيْهَا وحاد عَنهُ وواجهه يَوْمًا فَألْقى عَلَيْهِ ذراعه وأجتذبه إِلَى الأَرْض فَمَا نجاه مِنْهُ إِلَّا أَصْحَابه

الَّذين انقضوا على سعيد فتنقذوا عمر من يَده وَله زرقة بعيدَة المدى إِلَى بعض القناطر المعتلية مَشْهُورَة النِّسْبَة إِلَيْهِ لم يقدر أحد بعده مِمَّن يتعاطى الشدَّة يبلغ إِلَيْهَا ذكر ذَلِك أَبُو مَرْوَان بن حَيَّان فِي تَارِيخه

وَقَالَ فِي مَوضِع آخر كَانَ مَعَ رئاسته وشجاعته شَاعِرًا مفلقا وخطيباً مصقعاً فصيح اللِّسَان ربيط الْجنان جميل الشارة حسن الْإِشَارَة ثَبت الْأَصَالَة وَاسع الْأَدَب والمعرفة يضْرب فِي صَنْعَة الشّعْر بسهمة وافرة ويتصرف من سبله بِكُل منيعة وَحكى أَن الْأَمِير عبد الله بن مُحَمَّد أسجل لَهُ على كورة البيرة لما ظَهرت الْعَرَب على حاضرتها فاتصل قِيَامه بِأَمْر الْعَرَب إِلَى أَن قتل غيلَة بأيدي بعض أَصْحَابه فِي ذِي الْقعدَة من سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ

قَالَ وَزَعَمُوا أَن من أقوى الْأَسْبَاب فِي قَتله أبياتاً من الشّعْر قَالَهَا فِي غمص الْأَئِمَّة من بني مَرْوَان مِنْهَا قَالَ لعبد الله

يَا بني مَرْوَان جدوا فِي الْهَرَبنجم الثائر من وَادي الْقصب
يَا بني مَرْوَان خلوا ملكناإِنَّمَا الْملك لأبناء الْعَرَب
للشاعر سعيد بن جودي، اقرأ القصيدة

ورثاه الْأَسدي شَاعِر الْعَرَب فِي ذَلِك الأوان وَقَالَ فِيهِ مقدم بن معافى يرثيه

من ذَا الَّذِي يطعم أَو يكسووَقد حوى حلف الندى رمس
لَا اخضرت الأَرْض وَلَا أَوْرَق الْعودوَلَا أشرقت الشَّمْس
بعد ابْن جودى الَّذِي لن ترىأكْرم مِنْهُ الْجِنّ وَالْإِنْس
دموع عَيْني فِي سَبِيل الأسىعلى سعيد أبدا حبس

وَقَامَ بِأَمْر الْعَرَب بعده مُحَمَّد بن أضحى بن عبد اللَّطِيف الْهَمدَانِي صَاحب حصن الْحمة إِلَى أَن استنزله النَّاصِر عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد ولسعيد بن جودى شعر كثير وَقد ذكرنَا مِنْهُ جملَة وَسمع يَوْمًا منشداً ينشد قَول أبي قيس بن الأسلت

قد حصت الْبَيْضَة رَأْسِي فَمَاأطْعم نوماً غير تهجاع
أسعى على جلّ بني مَالككل امري فِي شَأْنه ساع
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «قالت ولم تقصد لقول الخنا»

فَقَالَ مُعَارضا لَهُ على البديهة

الدرْع قد صَارَت شعارى فَمَاأبسط حاشاها لتهجاع
للشاعر سعيد بن جودي، اقرأ القصيدة
وَالسيف إِن قصره صانعطوله يَوْم الوغى باعى
للشاعر سعيد بن جودي، اقرأ القصيدة
وَمَا كميتى لي بمستقصرإِذا دَعَاني للقا دَاع
للشاعر سعيد بن جودي، اقرأ القصيدة
هَذَا الَّذِي أسعى لَهُ جاهداًكل امْرِئ فِي شَأْنه ساع
للشاعر سعيد بن جودي، اقرأ القصيدة

وَله فِي جَارِيَة سَمعهَا بقرطبة تغني للأمير عبد الله بن مُحَمَّد وَذَلِكَ فِي إِمَارَة أَبِيه الْأَمِير مُحَمَّد فهام بهَا وَاشْترى جَارِيَة سَمَّاهَا باسمها جيجان فَلم يَسلهُ ذَلِك عَنْهَا وهام بهَا دهراً

سَمْعِي أبي أَن يكون الرّوح فِي بدنيفاعتاض قلبِي مِنْهُ لوعة الْحزن
للشاعر سعيد بن جودي، اقرأ القصيدة
أَعْطَيْت جيجان روحي عَن تذكرهاهَذَا وَلم أرها يَوْمًا وَلم ترني
للشاعر سعيد بن جودي، اقرأ القصيدة
كأنني وَاسْمهَا والدمع منسكبمن مقلتي رَاهِب صلى إِلَى وثن
للشاعر سعيد بن جودي، اقرأ القصيدة

وَله فِي جَارِيَة حملت إِلَيْهِ من قرطبة فَلَمَّا خلا بهَا أَعرَضت عَنهُ ورمت بطرفها إِلَى الأَرْض خجلا فَقَالَ

أمائلة الألحاظ عني إِلَى الأَرْضأَهَذا الَّذِي تبدين وَيحك من بغضي
للشاعر سعيد بن جودي، اقرأ القصيدة
فَإِن كَانَ بغضاً لست وَالله أَهلهووجهي بِذَاكَ اللحظ أولى من الأَرْض
للشاعر سعيد بن جودي، اقرأ القصيدة

وَله أَيْضا يهزل ويتغزل

لَا شَيْء أَمْلَح من سَاق على عنقوَمن مناقلة كأساً على طبق
للشاعر سعيد بن جودي، اقرأ القصيدة
وَمن مُوَاصلَة من بعد معتبةوَمن مراسلة الأحباب بالحدق
للشاعر سعيد بن جودي، اقرأ القصيدة
جريت جرى جموح فِي الصِّبَا طلقاًوَمَا خرجت لصرف الدَّهْر عَن طَلِّقِي
وَلَا انثنيت لداعي الْمَوْت يَوْم وغىكَمَا انثنيت وحبل الْحبّ فِي عنقِي
للشاعر سعيد بن جودي، اقرأ القصيدة

ومقاصده فِي غزله المشوب بشجاعته تشبه مَقَاصِد أَبى دلف الْقَاسِم بن عِيسَى الْعجلِيّ وَكَانَت لَهُ أَيْضا رئاسة وثورة

ولسعيد أَيْضا فِي جَارِيَة جميلَة عرضت لَهُ صباحاً فِي غلالة حَمْرَاء وَهُوَ خَارج إِلَى مَجْلِسه لتأْخذ عَلَيْهِ الطَّرِيق وَهِي تتثنى فِي حركتها فَقَالَ

(قضيب من الريحان فِي ورق حمر ...)

ثمَّ أعيته الْإِجَازَة طول نَهَاره وَقد شغل بهَا فكره حَتَّى دخل عَلَيْهِ حَاجِبه فَاسْتَأْذن لعبيديس الشَّاعِر الْكَاتِب وَكَانَ ينتابه هُوَ وَغَيره فساعة دخل عَلَيْهِ ناداه سعيد

(قضيب من الريحان فِي ورق حمر ...)

فَأَجَابَهُ من قبل أَن يجلس

(وعهدي بالريحان فِي ورق خضر ...)

فسر واجزل صلته

وَله يرثى

أمستنصراً بِالصبرِ قد دفن الصَّبْرمَعَ الْحسن المأمول إِذْ ضمه الْقَبْر
للشاعر سعيد بن جودي، اقرأ القصيدة
فياعجبا للقبر مِنْهُ يضمهوَقد كَانَ سهل الأَرْض يخشاه والوعر
وَمَا مَاتَ ذَاك الْمَاجِد القرم وَحدهبل الْجُود والإقدام والباس والصبر
للشاعر سعيد بن جودي، اقرأ القصيدة
وَإِن يكن الشَّيْطَان زين حيرةلقاتله فِي الْكفْر بل دونه الْكفْر
فشمس الضُّحَى ترجو لفقدان نورهوَبدر الدجى يبكيه والأنجم الزهر
للشاعر سعيد بن جودي، اقرأ القصيدة

وَله حِين أسره عمر بن حفصون رَأس الْفِتْنَة بالأندلس ومضرم نارها وركن العصبية للعجم والمولدين وَذَلِكَ قبل إِمَارَة سعيد ورئاسته للْعَرَب

خليلي صبرا رَاحَة الْحر فِي الصَّبْروَلَا شَيْء مثل الصَّبْر فِي الكرب للْحرّ
للشاعر سعيد بن جودي، اقرأ القصيدة
فكم من أَسِير كَانَ فِي الْقد موثقًافَأَطْلقهُ الرَّحْمَن من حلق الْأسر
للشاعر سعيد بن جودي، اقرأ القصيدة
لَئِن كنت مأخوذاً أَسِيرًا وكنتمافَلَيْسَ على حَرْب وَلَكِن على غدر
للشاعر سعيد بن جودي، اقرأ القصيدة
وَلَو كنت أخْشَى بعض مَا قد أصابنيحمتني أَطْرَاف الردينية السمر
للشاعر سعيد بن جودي، اقرأ القصيدة
فقد علم الفتيان أَنِّي كميهاوفارسها الْمِقْدَام فِي سَاعَة الذعر
للشاعر سعيد بن جودي، اقرأ القصيدة

وَمن هَذِه القصدة

بهمك ألْقى خالقي يَوْم موقفيوكربك أقضى لي من الْقَتْل والأسر
للشاعر سعيد بن جودي، اقرأ القصيدة
وَإِن لم يكن قبر فَأحْسن موطئاًمن الْقَبْر للفتيان حوصلة النسْر
للشاعر سعيد بن جودي، اقرأ القصيدة

سُلَيْمَان بن وانسوس الْوَزير أَبُو أَيُّوب

هُوَ سُلَيْمَان بن مُحَمَّد بن أصبغ بن عبد الله وانسوس المكناسي مولى سُلَيْمَان ابْن عبد الْملك أَصله من البرابر وَله فيهم بَيت شرف بالأندلس وَكَانَ جده أصبغ رَئِيسا بماردة مُطَاعًا ثار فِيهَا على الْأَمِير الحكم بن هِشَام فملكها لنَفسِهِ واتصل خِلَافه فِيهَا سِنِين وَجَرت لَهُ خطوب كبار فِي حَالي الْمعْصِيَة وَالطَّاعَة

وتمهد ابْن ابْنه هَذَا مهاد الطَّاعَة من بعد نزوات سلفه وعلق حبال الْخدمَة فتصرف للسُّلْطَان فِي أَعمال كَثِيرَة إِلَى أَن ارْتقى الذرْوَة من خطة الوزارة للأمير عبد الله وَصَارَت لَهُ حظوة وَكَانَ أديباً مفتناً وشاعراً مطبوعاً حسن الْبَيَان بليغاً حصيفاً داهياً وَكَانَ فِي لحيته كوسجاً وَمن شعره يغرى

الْأَمِير عبد الله بن مُحَمَّد بجهور بن عبد الْملك البختي وَكَانَ قد صرف عَن عمله بكورة البيرة لتظلم الرّعية

جَاءَ الْحمار حمَار المرج محتشيامِمَّا أَفَادَ من الْأَمْوَال والطرف
خلى لبيرة قد أودت ماسكنهابقبح سيرته والعنف والسرف
فاحمل على العير حملا يسْتَقلّ بِهِواترك لَهُ سَببا للتبن والعلف

فَلَمَّا قَرَأَ الْأَمِير عبد الله أبياته أَمر بإدخاله إِلَيْهِ فَضَحِك مِنْهُ وَقَالَ لَهُ يَا سُلَيْمَان لَو زدتنا فِي الأبيات لزدنا الْحمار فِي الْغرم وَأمر بإغرامه ثَلَاثَة آلَاف دِينَار وَقد تقدم لِسُلَيْمَان هَذَا خبر مَعَ الْأَمِير عبد الله يدل على شرف ذَاته وعلو همته

عَامر بن عَامر بن كُلَيْب بن ثَعْلَبَة بن عبيد الجذامى أَبُو مَرْوَان

ولي أَبُو عَامر طليطلة ثمَّ صرفه عَنْهَا عبد الرَّحْمَن بن الحكم بأَخيه عبد الله بن كُلَيْب وَكَانَ أحد وُجُوه أَصْحَاب السُّلْطَان واختص بِصُحْبَة هَاشم ابْن عبد الْعَزِيز وَكَانَت فِيهِ مَعَ أدبه وبلاغته حِدة ومعارضة للنَّاس وتحكك بالشعراء فَلم يسلم مِنْهُم وَهُوَ الْقَائِل فِي الِاعْتِذَار

عظم الخطاء فَهَل تقيليَا سَيِّدي أَو مَا تَقول
أَنْت الْعَزِيز بهفوتيوَأَنا بهَا العَبْد الذَّلِيل
وَالله لَو أَنِّي اسْتَطَعْتلما بَدَت مني فضول
وَلما رأى مني الصّديقسوى قوام لَا يمِيل
ولسان صدق لايزولمن الصَّوَاب ولاا يحول
فَأَبت على الكاس إللاأَن يداخلني الذهول

عبد الرَّحْمَن بن وليد بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الحميد ابْن غَانِم

كَانَ هُوَ وَأَخُوهُ مُحَمَّد وأبوهما وليد فِي بَيت أدب رائع وَكِتَابَة وجلالة وَولى وليد للأمير مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن خطتي الوزارة وَالْمَدينَة وقاد جَيش الصائفة الَّذِي قدم عَلَيْهِ ابْنه عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد وَكَانَ عدده عَظِيما وَولى أَيْضا مُحَمَّد ابْن وليد خطة الْمَدِينَة وَسَيَأْتِي ذكرهمَا وَعبد الرَّحْمَن هُوَ الْقَائِل وَسمع عبيد الله بن يحيى بن يحيى صَاحب مَالك وَقد سُئِلَ عَن النعامة فَفَسَّرَهَا بطير المَاء

ذهب الزَّمَان بصفوة الْعلمَاءوَبقيت فِي ظلم وَفِي عمياء
وأتى طغام رقع من بعدهمْلَا فرق بَينهم وَبَين الشَّاء
فَإِذا سَأَلت عَن النعام أسدهمعلما يفسره بطير المَاء

وهولاء شعراء بنى الْأَغْلَب مُلُوك إفريقية فِي هَذِه الْمِائَة وَفِي آخرهَا انقرض ملكهم حَسْبَمَا يذكر بعد

زِيَادَة الله بن إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب أَبُو مُحَمَّد

ولى بعد أَخِيه أبي الْعَبَّاس عبد الله الْجَمِيل سنة إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ وَكَانَ أَبوهُ إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب إِذا قدم عَلَيْهِ أحد من الْأَعْرَاب وَالْعُلَمَاء بِالْعَرَبِيَّةِ وَالشعرَاء أصحبهم ابْنه زِيَادَة الله هَذَا وَأمرهمْ بملازمته فَكَانَ أفضل أهل بَيته وأفصحهم لِسَانا وَأَكْثَرهم بَيَانا وَكَانَ يعرب كَلَامه وَلَا يلحن دون تشادق وَلَا تقعر ويصوغ الشّعْر الْجيد وَلَا يعلم أحد قبله سمى زِيَادَة الله وَلَا هبة الله قبل ولد إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي

وَولد زِيَادَة الله قبل هبة الله هَذَا بِنَحْوِ من ثَلَاثِينَ سنة

وَهُوَ الَّذِي بنى جَامع القيروان بالصخر والآجر والرخام بعد أَن هَدمه وَبنى الْمِحْرَاب كُله بالرخام من أَسْفَله إِلَى أَعْلَاهُ وَهُوَ منقوش بِكِتَاب وَغَيره كتاب ويستدير بِهِ سوار حسان بَعْضهَا مجزعة بأسود ناصعة الْبيَاض شَدِيدَة السوَاد ويقابل الْمِحْرَاب عمودان أَحْمَرَانِ فيهمَا توشيه بحمرة صَافِيَة

دون حمرَة سائرهما يَقُول كل من رآهما من أهل الْمشرق وَالْمغْرب أَنه لم ير مثلهمَا وَقد بذل فيهمَا صَاحب الْقُسْطَنْطِينِيَّة وزنهما ذَهَبا فَلم يجبهُ النَّاظر لِلْإِسْلَامِ فِي ذَلِك

وَأول من بنى هَذَا الْجَامِع الْأَشْرَف عقبَة بن نَافِع الفِهري وَهُوَ الَّذِي اختط مَدِينَة القيروان فِي سنة ثَلَاث وَخمسين من الْهِجْرَة

فَلَمَّا ولى حسان بن النُّعْمَان الغساني إفريقية هَدمه حاشى الْمِحْرَاب وبناه بالطوب فَلَمَّا ولى يزِيد بن حَاتِم إفريقية سنة خمس وَخمسين وَمِائَة هَدمه وبناه فَلَمَّا ولى زِيَادَة الله هَذَا هَدمه وبناه مَعَ الْمِحْرَاب كَمَا وصف وَتمّ بُنْيَانه سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ

وَبعد ذَلِك بعام أَو نَحوه توفّي فِي رَجَب سنة ثَلَاث وَعشْرين

ولأبى إِبْرَاهِيم أَحْمد بن مُحَمَّد وَالِد إِبْرَاهِيم بن أَحْمد السفاك زِيَادَة فِي هَذَا الْجَامِع كملت سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَهِي عَلَيْهَا إِلَى الْيَوْم

وَمن شعره زِيَادَة الله على أَنه كَانَ يصنعه ويكتمه مَا يرْوى أَن الْمَأْمُون كتب إِلَيْهِ أَن يَدْعُو على منابره لعبد الله بن طَاهِر بن الْحُسَيْن فَأَنف من ذَلِك وَأمر بِإِدْخَال الرَّسُول عَلَيْهِ بعد أَن تملأ من الشَّرَاب وَحل شعره ونار عَظِيمَة بَين يَدَيْهِ فِي كوانين وَقد احْمَرَّتْ عَيناهُ فهال الرَّسُول ذَلِك المنظر ثمَّ قَالَ قد علم أَمِير الْمُؤمنِينَ طَاعَتي لَهُ وَطَاعَة آبَائِي لِآبَائِهِ وَتقدم سلفى فِي دعوتهم ثمَّ يَأْمُرنِي الْآن بِالدُّعَاءِ لعبد خُزَاعَة هَذَا وَالله أَمر لَا يكون أبدا ثمَّ مد يَده إِلَى كيس إِلَى جَانِبه فِيهِ ألف دِينَار فَدفعهُ إِلَى الرَّسُول ليوصله إِلَى الْمَأْمُون وَكَانَت الدَّنَانِير مَضْرُوبَة باسم إِدْرِيس الْحسنى ليعلمه مَا هُوَ عَلَيْهِ من فتْنَة الْمغرب ومناضلة العلويين وَكتب جَوَاب الْكتاب وَهُوَ سَكرَان فِي آخِره أَبْيَات مِنْهَا

أَنا النَّار فِي أحجارها مستكنةفَإِن كنت مِمَّن يقْدَح الزند فاقدح
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أنا النار في أحجارها مستكنة»
أَنا اللَّيْث يحمى غيله بزئيرهفَإِن كنت كَلْبا حَان موتك فانبح
أَنا الْبَحْر فِي أمواجه وعبابهفَإِن كنت مِمَّن يسبح الْبَحْر فاسبح

فَلَمَّا صَحا بعث فِي طلب الرَّسُول ففاته وَكتب كتابا آخر يتلطف فِيهِ فوصل الْكتاب الأول وَالثَّانِي فأعرضوا عَن ذكر الأول وجاوبوه عَن الثَّانِي بِمَا أحب وَصدر الْبَيْت الأول من هَذِه الأبيات وَقع فِي ماا تمثل بِهِ الْمَأْمُون

إِذْ قتل لَيْلًا بالمطبق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب بن إِبْرَاهِيم الإِمَام بن مُحَمَّد ابْن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس الْمَعْرُوف بِابْن عَائِشَة وَأَصْحَابه فَقَالَ حِين فرغ من ذَلِك

أَنا النَّار فِي أحجارها مستكنةمَتى مَا يهجها قَادِح تتضرم
للشاعر المأمون، اقرأ القصيدة

حَكَاهُ المَسْعُودِيّ

وَكَانَ زِيَادَة الله يَدْعُو لِلْمَأْمُونِ وَابْن شكْلَة وَهُوَ إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي بِبَغْدَاد قد ادّعى الْخلَافَة بعد قتل الْأمين إِلَى أَن قدم الْمَأْمُون بَغْدَاد فكاتبه وشكر لَهُ فعله

وَله يُخَاطب أمه جلاجل جَارِيَة اللَّيْث بن سعد وَقد استفحل أَمر الْجند فِي خلافهم عَلَيْهِ وستولوا على إفريقية كلهَا إِثْر وقْعَة على أَصْحَابه شَدِيدَة خَافَ مِنْهَا على ملكه وأيقن بِانْقِطَاع مدَّته وَبلغ ذَلِك مِنْهُ كل مبلغ فَدخلت عَلَيْهِ أمه تصبره وتسهل الْأَمر عَلَيْهِ ففكر سَاعَة ثمَّ رفع رَأسه وَأنْشد أبياتاً مِنْهَا

أمنت سبيبة كل قرم باسلوَمن العبيد جماجماً أبطالاً
فَإِذا ذكرت مصايباً بسبيبةفابكى جلاجل واندبي إعوالا
ياويح نَفسِي حِين أركب غادياًبالقيروان تخالني مختالاً
فِي فتية مثل النُّجُوم طوالعويخالني بَين النُّجُوم هلالا
فاليوم أركب فِي الزعاع وَلَا أرىإِلَّا العبيد ومعشراً أنذالا

وَله فِي النسيب

بِاللَّه لَا تقطعن بالهجر أنفاسيفَأَنت تملك إنطاقي وإخراسي
صدود طرفك عَن طرفِي إِذا التقيامجرعى كأس إرغام وإتعاس
لَو لم أبحك حمى قلبِي ترود بِهِلم تستبح مهجتي يَا أَمْلَح النَّاس

وَله أَيْضا فِي تفاحة

ولابسه ثوب اصفرار بِلَا جسمتنم بِأَنْفَاسِ الحبيب لمشتم
تجمع معشوق لَدَيْهَا وعاشقفذو نظر يرنو إِلَيْهَا وَذُو شم
سأفنيك أَو أفنى عَلَيْك تذكراًلمن أَنْت عطر مِنْهُ فِي الرشف واللثم
فقد هجت فِي قلبِي لظى لتذكريوعنوانه فِي مقلتي دمعة تهمي
كَأَنِّي أدنى حِين أدنيك من بِهِأثرت اشتياقي فِي عنَاق وَفِي ضم

الْأَغْلَب بن إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب أَبُو عقال ويلقب بخزر

ولى إفريقية بعد إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب ثَلَاثَة من أبنائه لصلبه أَوَّلهمْ أَبُو الْعَبَّاس عبد الله ولى بِعَهْد أَبِيه وَكَانَ عِنْد وَفَاته بطرابلس فَقَامَ أَخُوهُ زِيَادَة الله بِالْأَمر فِي مغيبه وَأخذ لَهُ الْبيعَة على نَفسه وعَلى أهل بَيته وَسَائِر النَّاس فَكَانَ يتحامل عَلَيْهِ فِي ولَايَته ويتنقصه وَهُوَ يظْهر التجمل وَالِاحْتِمَال وعوجل فَلم تطل مدَّته وَلم يُوصف بأدب فنذكره وثانيهم أَبُو مُحَمَّد زِيَادَة الله الْمُتَقَدّم الذّكر وَهُوَ كَانَ أطولهم ولَايَة وأمتنهم بعد أَبِيهِم أدباً وثالثهم أَبُو عقال الْأَغْلَب هَذَا ولى بعد أَخِيه زِيَادَة الله وَهُوَ كَانَ أقصرهم ولَايَة أَقَامَ سنتَيْن وَتِسْعَة أشهر وأياماً غير أَن الْمُلُوك مِنْهُم من عقبه دون أَخَوَيْهِ وكل من ولى بعده من آل الْأَغْلَب إِلَى أَن انقرض ملكهم وَزَالَ سلطانهم من وَلَده وآثاره صَالِحَة أَمن الْجند وَأحسن إِلَيْهِم فَلم يكن فِي أَيَّامه على قصرهَا وتقلصها حروب وَغير مِمَّا أحدث الْعمَّال كثيرا وَقبض أَيْديهم عَن أَمْوَال الرّعية وَقطع النَّبِيذ من القيروان فحمدت سيرته وَظَهَرت فضيلته وانتشر عدله وَكَانَ لَهُ حَظّ من الْأَدَب يصوغ بِهِ مقطعات من الشّعْر فَمِنْهَا قَوْله

لَهُ مقلة تكفيه حمل سلاحهمحاربة ألحاظها من تسالمه
سقى صبه من خمرها فَبَدَا بهَاكَمَا تفعل الصَّهْبَاء مَا هُوَ كاتمه
وَقد سكرت أجفانه فَكَأَنَّمَاتسقيه من صهبائها وتنادمه

ابْنه مُحَمَّد بن الْأَغْلَب بن إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب أَبُو الْعَبَّاس

ولى بعد أَبِيه أبي عقال فِي آخر شهر ربيع الآخر سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَتُوفِّي يَوْم الِاثْنَيْنِ لليلتين خلتا من الْمحرم سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ ابْن سِتّ وَثَلَاثِينَ سنة فَكَانَت ولَايَته خمس عشرَة سنة وَثَمَانِية أشهر واثني عشر يَوْمًا

وَكَانَ كوسجاً كَانَ وَجهه وَجه خصي لَيْسَ فِيهِ إِلَّا شَعرَات بسيرة عقيماً لَا يُولد لَهُ مَوْصُوفا بحلم وجود وحاربه أَخُوهُ أَحْمد فظفر بِهِ وَأخرجه إِلَى الْمشرق وَكَانَت فِي أَيَّامه حروب كَثِيرَة نصر فِيهَا وَأما أَخُوهُ الثَّانِي وَيُسمى أَيْضا مُحَمَّدًا ويكنى أَبَا عبد الله فَكَانَ والياً على طرابلس من قبله وَمَات بهَا فِي أَيَّامه سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَمن وَلَده أُمَرَاء بني الْأَغْلَب الْوُلَاة بعد أبي الْعَبَّاس هَذَا

وَأَبُو الْعَبَّاس هُوَ الْقَائِل يفخر فِي مَا نسبه إِلَيْهِ بعض خاصته وَقيل إِنَّه لعبد الرَّحْمَن بن أبي مسلمة قَالَه على لِسَانه عِنْد ظفره بِخَارِج عَلَيْهِ

أَلَيْسَ أَبى وجدي أوطآنيوجد أَبى وعماي الرقابا
ورثت الْملك وَالسُّلْطَان عَنْهُمفصرت أعز من وطئ الترابا
وقدمني الخلائف واصطفونيفَمن مثلي قَدِيما وانتسابا
أَنا الْملك الَّذِي أسمو بنفسيفأبلغ بالسمو بهَا السحابا
إِذا نقبت عَن كرمي ومجديوجدتني المصاصة واللبابا
أَنا الْملك الَّذِي أيدت ملكيبسيفي إِذْ كشفت بِهِ الضبابا
فَأمْضى إِن سردت الجفن عَنهُفأغتصب النُّفُوس بِهِ اغتصابا
لقد فتح الْمُهَيْمِن لي بسيفيوإقدامي إِذا مَا الْجمع هابا
أتمت بِهِ ابْن حَمْزَة حِين دبتعقارب غدره وسعى فخابا
أسلت بِهِ دم الْأَوْدَاج مِنْهُفَصَارَ لشيب لحيته خضابا
أظل عشيرتي بجناح عزىوأمنحها الْكَرَامَة والثوابا
وأصطنع الرِّجَال وأصطفيهموأغفر للمسيء إِذا أنابا
وأسمو بالخميس إِلَى الأعاديفأكسر بالعقاب لَهَا العقابا
أَنا ابْن الْحَرْب ربتني وليداًإِلَى أَن صرت ممتلئاً شبَابًا
لعمر أَبِيك مَا أَن عبت قومِيوَمَا أخْشَى بقومي أَن أعابا
بنيت لَهُم مَكَارِم باقياتإِذا مَا صَارَت الدُّنْيَا خرابا

إِبْرَاهِيم بن أبي إِبْرَاهِيم أَحْمد بن أبي عبد الله مُحَمَّد بن أبي عقال الْأَغْلَب

وَهُوَ خزر الْمَذْكُور قبل ابْن إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب أَبُو إِسْحَاق

ولي بعد أَخِيه أَبى عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد الَّذِي يعرف بأبى الغرانيق لِكَثْرَة ولوعه بتصيدها وَكَانَ مُحَمَّد هَذَا قد عقد لِابْنِهِ أَبى عقال الْأَغْلَب ولَايَة عَهده واستحلف إِبْرَاهِيم هَذَا خمسين يَمِينا بِجَامِع مَدِينَة القيروان أَلا ينازعه وَذَلِكَ بِمحضر مشيخه الْأَغْلَب وقضاه القيروان وفقهائها فَلَمَّا هلك أَبُو الغرانيق

لست مضين من جُمَادَى الأولى سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ خلع ابْنه أهل القيروان وَقدمُوا إِبْرَاهِيم بن أَحْمد فِي قصَّة طَوِيلَة فَابْتَلَاهُمْ الله بظلمه وامتحنهم بإسرافه حَتَّى سموهُ الْفَاسِق وَكَانَ أول أمره قد أحسن السِّيرَة فيهم نَحوا من سبع سِنِين ثمَّ ارْتكب من الْعدوان وَسَفك الدِّمَاء مالم يرتكبه أحد قبله وَأخذ فِي قتل أَصْحَابه وَكتابه وحجابه حَتَّى إِنَّه قتل ابْنه أَبَا عقال وَبنَاته وَالْأَخْبَار عَنهُ فِي ذَلِك فظيعة شنيعة وَكَانَ كثير المَال شَدِيد الْحَسَد على اتصافه بالحزم والعزم والضبط للأمور وَلم يكن يُوصف بِعلم بارع وَلَا أدب وَكَانَ رُبمَا صنع من الشّعْر شَيْئا ضَعِيفا فَمن ذَلِك قَوْله

نَحن النُّجُوم بَنو النُّجُوم وجدنَاقمر السَّمَاء أَبُو النُّجُوم تَمِيم
وَالشَّمْس جدتنا فَمن ذَا مثلنَامتواصلان كَرِيمَة وكريم

وَحذف هَذَا النّظم الغث أولى من إثْبَاته وليته بعقاب أهل بَيته عُوقِبَ على أبياته وَلم يل إفريقية قبله أطول عمرا مِنْهُ فِي سلطانها ملك تسعا وَعشْرين سنة إِلَّا خَمْسَة أشهر وَثَمَانِية عشر يَوْمًا ليطول بِهِ الِابْتِلَاء وَالله يفعل مَا يَشَاء

(وَحكى أَبُو عبيد البكرى فِي كتاب الممالك والمسالك من تأليفه أَن إِبْرَاهِيم بن أَحْمد هُوَ الَّذِي بنى مَدِينَة رقادة وتخذها وطنا وانتقل إِلَيْهَا من مَدِينَة الْقصر الْقَدِيم وَبنى بهَا قصوراً عَجِيبَة وجامعاً وَلم تزل بعد ذَلِك دَار ملك لبنى الْأَغْلَب إِلَى أَن هرب عَنْهَا زِيَادَة الله أَمَام أَبى عبد الله الشيعي وسكنها عبيد الله الْمهْدي إِلَى أَن انْتقل إِلَى المهدية فَدَخلَهَا الوهن وانتفل عَنْهَا ساكنوها وَلم تزل تخرب شَيْئا بعد شَيْء إِلَى أَن ولى معد بن إِسْمَاعِيل فخرب مَا بَقِي مِنْهُ وَعفى آثارها وَلم يبْق مِنْهَا غير بساتينها

قَالَ وَلَيْسَ بإفريقية أعدل هَوَاء وَلَا أرق نسيماً وَلَا أطيب تربة من مَدِينَة رقادة وَذكروا أَن أحد بنى الْأَغْلَب ارق وشرد عَنهُ النّوم أَيَّامًا فعالجه

إِسْحَاق يَعْنِي طبيبهم وَهُوَ الَّذِي ينْسب إِلَيْهِ إطريفل إِسْحَاق فَلم ينم فَأمره بِالْخرُوجِ وَالْمَشْي فَلَمَّا وصل إِلَى مَوضِع رقاده نَام فسميت رقاده من يَوْمئِذٍ واتخذت دَارا ومسكناً وَمَوْضِع فُرْجَة للْملك قَالَ وَلما بناها إِبْرَاهِيم ابْن أَحْمد منع بيع النَّبِيذ بِمَدِينَة القيروان وأباحه بِمَدِينَة رقادة فَقَالَ بعض ظرفاء أهل القيروان

يَا سيد النَّاس وَابْن سيدهموَمن إِلَيْهِ الرّقاب منقاده
مَا حرم الشّرْب فِي مدينتناوَهُوَ حَلَال بِأَرْض رقاده

وَمَعَ بعد إِبْرَاهِيم فِي الملكة عَن الإسجاح فقد كَانَ لَا يخل بِنَصِيبِهِ من السماح حكى أَبُو إِسْحَاق الرَّقِيق أَن بكر بن حَمَّاد التاهرتي كَانَ ينتجع هَذَا الطاغية ويمدحه فغدا يَوْمًا بمديح لَهُ على بَلَاغ الْخَادِم فَقَالَ لَهُ الْأَمِير عَنَّا مَشْغُول فِي هَذَا الْيَوْم قَالَ فالطف بِي فِي إِيصَال رقْعَة إِلَيْهِ قَالَ إِنَّه مصطبح فِي الْجنان مَعَ الْجَوَارِي وَلَا يصل إِلَيْهِ أحد فَكتب بكر فِي رقْعَة واحتال بَلَاغ فِي توصيلها مساعدة لَهُ وفيهَا أَبْيَات مِنْهَا

خُلِقْنَ الغواني للرِّجَال بليةفهن موالينا وَنحن عبيدها
إِذا مَا أردن الْورْد فِي غير حِينهأتتنا بِهِ فِي كل حِين خدودها

وَكتب تَحت الأبيات

فَإِن تكن الْوَسَائِل أعوزتنيفَإِن وسائلي ورد الخدود

فَلَمَّا قَرَأَهَا أنشدها الْجَوَارِي فأظهرن لَهُ سُرُورًا بهَا وشفعن إِلَيْهِ إِلَى أَن خرج بصرة مختومة فِيهَا مائَة دِينَار وَوصل مِنْهُ إِلَى بكر مَال عَظِيم

النص من طبعة دار المعارف بالقاهرة (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع