تجاوز إلى المحتوى

من «أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)

حاله أكرمه الله (٢)

والزكاة أختها الحبيبة ولدتها القريبة مفتاح السماحة بالعرض الزائل وشكران المسئول على الضد من درجة السائل وحق الله فيمال من أغناه لمن أجهده في المعاش وعناه من غير استحقاق مل يده وإخلاء يد أخيه ولا علة القدر الذي يخفيه وما لم ينله حظ فلا خير يه فاسمحوا بمتفرقاتها للحاضر لإخراجها واختيار عرضها ونتاجها واسحيوا من الله أن تبخلوا عليه ببعض ما بذل وخالفوا الشيطان كلما عذل واذكروا خروجكم إلى الوجود لا تملكون ولا تدرون أين تسلكون فوهب وأقدر وأورد

بفضله وأصدر ليرتب بكرمه الوسائل أو يقيم الحجج والدلائل فابتغوا إليه الوسيلة بماله واغتنموا رضاه ببعض نواله.

وصيام رمضان عبادة السر المقربة إلى زلفى الممحوضة لمن يعلم السر وأخفى مؤكدة بصيام الجوارح عن الآثام والقيام ببر القيام والاجتهاد وإيثار السهاد على المهاد وإن وسع الاعتكاف فهو من سننه المرعية ولواحقه الشرعية فبذلك تحسن الوجوه وتحصل النفوس من الرقة على ما ترجوه وتهذب الطباع ويمتد في ميدان الوسائل إلى الله الباع.

والحج مع الاستطاعة الركن الواجب والفرض على العين لا يحجبه الحاجب وقد بين رسول الله ﷺ قدره فيما فرض عن ربه وسنه وقال: ليس له جزاء عن الله إلاّ الجنة.

ويلحق بذلك الجهاد في سبيل الله وإن كانت لكم قوة عليه وغنى لديه فكونوا ممن يسمع نفيره ويطيعه وإن عجزتم فأطيعوا من يستطيعه.

هذه عمد الإسلام وفروضه ونقود مهره وعروضه فحافظوا عليها تعيشوا مبرورين وعلى من يناوئكم ظاهرين وتلقوا الله لا مبدلين ولا مغيرين ولا تضيعوا حقوق الله فتهلكوا مع الخاسرين.

واعلموا أن بالعلم تستكمل وظائف هذه الألقاب وتجلى محاسنها من بعد الانتقاب فعليكم بالعلم النافع دليلا بين يدي الشافع فالعلم مفتاح هذا الباب والموصل إلى اللباب والله ﷿ يقول:) هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب (. والعلم وسيلة النفوس

الشريفة إلى المطالب المنيفة وشرطه الخشية لله والخيفة وخاصة الملأ الأعلى وصفة الله في كتبه التي تتلى والسبيل في الآخرة إلى السعادة وفي الدنيا إلى التجلى عاده والذخر الذي قليله يشف وينفع وكثيره يعلىو يرقع لا يغصبه الغاصب ولا يسلبه العدو المناصب ولا يبتزه الدهر إذا مال ولا يستأثر به البحر إذا هال من لم ينله فهو ذليل وإن كثرت آماله وقليل وإن جم ماله وإن كان وقته قد فات اكتسابكم وتخطى حسابكم فالتمسوه لبنيكم واستدركوا منه ما خرج عن أيديكم واحملوهم على جمعه ودرسه واجعلوا طباعهم ثرى لغرسه واستهلوا ما ينالهم من تعب من جراه وسهر يهجر له الجفن كراه تعقدوا لهم ولاية عز لا تعزل وتحلوهم مثابة رافعة لا يحط فارعها ولا يستنزل واختاروا من العلوم التي ينفقها الوقت ما لا يناله في غيره المقت وخير العلوم علوم الشريعة وما نجم وما نجم بمنابتها المريعة من علوم لسان لا تستغرق الأعمار فصولها ولا يضايق ثمرات المعاد محصولها فإنما هي آلات لغير وأسباب إلى خير منها وخير فمن كان قابلا منها لازدياد وألفى فهمه ذا انقياد فليخص تجويد القرآن بتقديمه ثم حفظ الحديث ومعرفة صحيحه من سقيمه ثم الشروع في أصول الفقه فهو العلم العظيم المنة المهدي كنوز الكتاب والسنة ثم المسائل المنقولة عن العلماء الجلة والتدرب في طرق النظر وتصحيح الأدلة وهذه هي الغاية القصوى في الملة ومن قصر إدراكه عن هذا المرمى وتقاعد عن التي هي أسمى فليرو الحديث بعد تجويد الكتاب وإحكامه وليقرأ المسائل الفقهية على مذهب إمامه وإياكم والعلوم القديمة والفنون المهجورة الذميمة فأكثرها لا يفيد إلاّ تشكيكا ورأيا ركيكا ولا يثمر في

العاجلة إلاّ اقتحام العيون وتطريق الظنون وتطويق الاحتقار وسمة الصغار وخمول الأقدار والخسف من بعد الإبدار وجادة الشريعة أعرق في الاعتدال وأوفق من قطع العمر في الجدال هذا أبن رشد قاضي المصر ومفتيه وملتمس الرشد ومؤتيه عادت عليه بالسخطة الشنيعة وهو إمام الشريعة فلا سبيل إلى اقتحامها والتورط في ازدحامها ولا تخلطوا سامكم بحامكم إلاّ ما كان من حساب ومساحة وما يعود بجدوى فلاحة وعلاج يرجى على النفس والجسم براحة وما سوى ذلك فمحجور وضرم مسجور وممقوت مهجور.

وأمروا بالمعروف أمرا رفيقا وانهوا على المنكر نهيا حريا بالاعتدال حقيقا واغبطوا من كان سنة الغفلات مفيقا واجتنبوا ما تنهون عنه حتى لا تسلكوا منه طريقا وأطيع أمر من ولاه الله من أموركم أمرا ولا تقربوا من الفتنة جمرا ولا تدخلوا في الخلاف زيدا وعمرا.

وعليكم بالصدق فهو شعار المؤمنين وأهم ما أضرى عليه الآباء السنة البنين وأكرم منسوب إلى مذهبه ومن أكثر من شيء عرف به. وإياكم والكذب فهو العورة التي لا توارى والسوءة التي لا يرتاب في عارها ولا يتمارى وأقل عقوبات الكذب بين يدي ما أعد الله له من العذاب ألا يقبل صدقه إذا صدق ولا يعول عليه إن كان بالحق قد نطق.

وعليكم بالأمانة فالخيانة لوم وفي وجه الديانة كلوم ومن الشريعة التي

لا يعذر بجهلها أداء الأمانات إلى أهلها وحافظوا على الحشمة والصيانة ولا تجزوا من أقرضكم دين الخيانة ولا توجدوا للغدر قبولا ولا تقروا عليه طبعا مجبولا وأوفوا بالعهد إنَّ العهد كان مسئولا ولا تستأثروا بكنز ولا خزن ولا تذهبوا لغير مناصحة المسلمين في سهل ولا حزن ولا تبخسوا الناس أشياءهم في كيل أو وزن والله الله أن تعينوا في سفك الدماء ولو بالإشارة أو بالكلام أو ما يرجع إلى وظيفة الأقلام واعلموا أن الإنسان في فسحة ممتدة وسبيل الله غير منسده ما لم ينبذ إلى الله بأمانة ويغمس في الدم الحرام بيده أو لسانه قال الله في كتابه الذي هدى به سننا قويما وجلى من الجهل والضلال ليلا بهيما:) ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالد فيها وغضب الله عليه ولعنة وأعد له عذابا عظيما (.

واجتناب الزنا وما يتعلق به من كرمت طباعه وامتد سبيل السعادة باعه ولو لم تتلق نور الذي لم يهد شعاعه فالحلال لم تضق عن الشهوات أنواعه ولا عدم إقناعه ومن غلبت عليه غرائز جهله فلينظر هذا يحي أن يزني بأهله؟ والله قد أعد للزاني عذابا وبيلا وقال:) ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا (.

والخمر أم الكبائر ومفتاح الجرائم والجرائر واللهو لم يجعله الله في الحياة شرطا والمحرم قد أغنى عنه بالحلال الذي سوغ وأعطى وقد تركها في الجاهلية أقوام لم يرضوا لعقولهم الفساد ولا لنفوسهم بالمضرة في مرضاة

الأجساد والله جعلها رجسا محرما على العباد وقرنها بالأنصاب والأزلام في مباينة السداد.

ولا تقربوا الربا فإنه من مناهي الدين والله تعالى يقول:) وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين (. وقال:) فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله (في الكتاب المبين. ولا تأكلوا مال أحد بغير حق يبيحه وانزعوا الطمع عن ذلك حتى تذهب ريحه والتمسوا الحلال يسعى فيه أحدكم على قدمه ولا يكل اختياره إلاّ للثقة من خدمة ولا تلجئوا إلى المتشابه إلاّ عند عدمه فهو في السلوك إلى الله أصل مشروط والمحافظ عليه مغبوط.

وإياكم والظلم فالظلم ممقوت بكل لسان مجاهر لله بصريح العصيان والظلم ظلمات يوم القيامة كما ورد في الصحاح الحسان والنميمة فساد وشتات لا يبقى عليه ممات وفي الحديث: " لا يدخل الجنة قتات ". واطرحوا الحسد فما ساد حسود وإياكم والغيبة فباب الخير عنها مسدود والبخل فما رئى البخيل وهو مودود وإياكم وما يعتذر منه فموقف الخزي لا تستقال عثراته ومظنات الفائح لا تؤمن غمراتها وتفقدوا أنفسكم مع الساعات وأفشوا السلام في الطرق والجماعات ورقوا على ذوي الزمانات والعاهات وتاجروا مع الله بالصداقة يربحكم في البضاعات وعولوا عليه وحده في الشدائد واذكروا المساكين إذا نصبتم الموائد وتقربوا إليهم باليسر من ماله واعلموا أن الخلق عيال الله وأحب الخلق إليه المحتاط لعياله وارعوا حقوق الجار

واذكروا ما ورد في ذلك من الآثار وتعاهدوا أولى الأرحام والوشائج البادية الالتحام واحذروا شهادة الزور فإنها تقطع الظهر وتفسد السر والجهر والرشا فإنها تحط الأقدار وتستدعي المذلة والصغار ولا تسامحوا في لعبة قمر ولا تشاركوا أولي البطالة في أمر وصونوا المواعد من الإخلاف والأيمان من حنث الأوغاد والأجلاف وحقوق الله من الازدراء والاستخفاف ولا تلهجوا بالآمال العجاف ولا تكلفوا بالكهانة والإرجاف واجعلوا العمر بين معاش ومعاد وخصوصية وابتدعاد واعلموا أن الله بمرصاد وأن الخلق بين زرع وحصاد وأقلوا بغير الحالة الباقية الهموم واحذروا القواطع عن السعادة كما تحذر السموم واعلموا أن الخير أو الشر في الدنيا محال أن يدوم وقابلوا بالصبر أذية المؤذين ولا تقارضوا مقالات الظالمين فالله لمن بغي عليه خير الناصرين ولا تستعظموا حوادث الأيام كلما نزلت ولا تضجعوا للأمراض إذا أعضلت فكل منقرض حقير وكل منقض وإن طال فقصير وانتظروا الفرج وانتشقوا من جناب الله الأرج وأوسعوا بالرجاء الجوانح واجنحوا إلى الخوف من الله فطوبى لعبد إليه جانح وتضرعوا إلى الله بالدعاء والجئوا إليه في البأساء والضراء وقابلوا نعم الله بالشكر الذي يقيد منها الشارد ويعذب الموارد وأسهموا منها للمساكين وأفضلوا عليهم وعينوا الحظوظ منها لديهم فمن الآثار: " يا عائشة أحسني جوار

نعم الله فإنها قلما زالت عن قوم فعادت إليهم ". ولا تطغكم النعم فتقصروا في شكرها وتلفكم الجهالة بكسرها وتتوهموا أن سعيكم جلبها وجدكم حلبها فالله خير الرازقيم والعقبة للمتقين ولا فعل إلاّ الله إذا نظر بعين اليقين. والله الله لا تنسوا الفضل بينكم ولا تذهبوا بذهابه زينكم وليلتزم كل منكم لأخيه ما يشتد به تواخيه بما أمكنه من إخلاص وبر ومراعاة في علانية وسر وللإنسانية مزية لا تجهل وحق لا يهمل وأظهروا التعاضد والتناصر وصلوا التعاهد والتزاور ترغموا بذلك الأعداء وتستكثروا الأوداء ولا تنافسوا في الحظوظ السخيفة ولا تهارشوا تهارش السباع على الجيفة واعلموا أنَّ المعروف يكدر بالامتنان وطاعة النساء شر ما افسد بين الإخوان فإذا أسديتم معروفا فلا تذكره وإذا برز قبح فاستروه وإذا أعظم النساء أمرا فاحقروه والله الله لا تنسوا مقارضة سجلى وبروا أهل مودتي من أجلي ومن رزق منكم مالا بهذا الوطن القلق المهاد الذي لا يصلح لغير الجهاد فلا يستهلك أجمع في العقار فيصبح عرضة للمذلة والاحتقار وساعيا لنفسه إن تغلب العدو على بلده في الافتضاح والافتقار ومعوقا عن الانتقال أمام النوب الثقال وإذا كان رزق العبد على المولى فالإجمال في الطلب أولى وازهدوا جهدكم في مصاحبة أهل الدنيا فخيرها لا يقوم بشرها ونفعها لا يفي بضرها وأعقاب ما تقدم شاهده والنواريخ لهذه الدعوى عاضدة ومن بلى منكم بها فليستظهر بسعة الاحتمال والتقلل من المال ويحذر معاداة الرجال ومزلات الإذلال وفساد الخيال ومداخلة العيال وإفشاء الأسرار وسكر الاغترار

وليصن الديانة ويؤثر الصمت ويلزم الأمانة ويسر من رضا الله على أوضح الطرق ومهما اشتبه عليه أمران قصد أقربهما إلى الحق وليقف في التماس أسباب الجلال وسمو القدر ورفعة الحال دون الكمال فما بعد الكمال غير النقصان والزعازع تسالم اللدن اللطيف من الأغصان. وإياكم وطلب الولايات رغبة واستجلابا واستظهارا على الحظوظ وغلابا فذلك ضرر بالمروءات والأقدار داع إلى الفضح والعار ومن امتحن منك بها اختيار أو جبر عليها إكراها وإيثار فليتلق

وظائفها بسعة صدره وليبذل من الخير فيها ما يشهد أنَّ قدرها دون قدره فالولايات فتنة ومحنة وأسر وإحنة وهي بين إخطاء سعادة وإخلال بعادة وتوقع عزل وإدالة رخاء بأزل وبيع جد من الدنيا بهزل ومزلة قدم واستتباع ندم ومآل العمر كله فوت ومعاد واقتراب من الله وابتعاد جعلكم الله ممن نفعه بالتصبير والتنبيه وممن لا ينقطع بسببه عمل أبيه.

هذه أسعدكم الله وصيتي التي أصدرتها وتجارتي التي لربحكم أدرتهم فتلقوها بالقبول لنصحها والاهتداء بضوء صبحها وبقدر ما أمضيت من فروعها واستغشيتم من دروعها اقتنيتم من المناقب الفاخرة وحصلتم على سعادة الدنيا والآخرة بقدر ما أضعتم من لآليها النفيسة القيم استكثرتم من بواعث الندم ومهما شئمتم إطالتها واستغزرتم مقالتها فاعلموا أن تقوى الله فذلك الحساب وضابط هذا الباب كان الله خليقي عليكم في كل حال فالدنيا مناخ ارتحال وتأميل الإقامة فرض محال فالموعد للالتقاء دار البقاء

جعلها الله من وراء خطة النجاة ونفق بضائعها المزجاه المرتجاة والسلام عليكم من حبيبكم المودع والله يلامه حيث شاء من شمل متصدع والدكم محمّد بن عبد الله بن الخطيب ورحمة الله وبركاته.

انتهت الوصية وهي غربة في معناها.

قلت: ولأجل ذلك كان شيخنا الفقيه الإمام القاضي العلامة سيدي عبد الواحد الوانشريشي ﵀ كثيرا ما يدخل منها في خطبه على مالا يخفق على من طالعها وإلى الله ترجع الأمور.

وإذ بلغنا في ترجمة أبن الخطيب إلى هذا الحد الذي يستطيل الناظر فيه وهو والله يتمم التعريف بابن الخطيب ولا يوفيه فلنذكر

النص من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من روضة الورد في أولية هذا الإمام الفرد

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.