من «أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
تنبيهات
الصفحة ٢ من ٢
حدّثني يسمح فيه للأغمار ووقفت بأزائهم أنظر إلى تصرفهم من ورائهم إذ كان علق بنفسي بعض ذلك من بعض القرابة في خلس بطالة مع غلبة الصبوة والجهالة فقلت للبياذقة: الأمير أعلم من صحابه فلمحوني شزرا وعظمت في أعينهم بعد أنْ كنت نزرا وتقدم إلى الأمير من نقل إليه الكلام فاستدعاني فدنوت منه وسألني: هل لي بما فيه بصر؟ فقلت لي فيه بعض نظر سيبدو لك ويظهر حرك تلك القطعة ففعل وعارضه صاحبه فأمرته أنْ يحرك أخرى وما زالت الحركة بينهم كذلك تترى حتى هزمهم الأمير وانقطع التديبر فقال: ما أنت بصغير. وكان في أثناء تلك الحركات قد ترنم ابن عم الأمير منشدا:
وأحلى الهوى ما شك في الوصل ربهوفي الهجر فهو الدهر يرجو ويتقي
فقال: لعن الله أبا الطيب أو يشك الرب؟ فقال له في الحال: ليس كما ظن صاحبك أيّها الأمير إنما أراد بالرب ها هنا الصاحب. يقول: ألذ الهوى ما كان المحب فيه من الوصال وبلوغ الغرض من الآمال على ريب فهو في وقته كله على رجاء لمّا يؤمله وتقاة لمّا يقطع به كما قال:
إذا لم يكن في الحب سخطا ولا رضافأين حلاوة الرسائل والكتب
وأخذنا نظيفالى ذلك من الأغراض في طرفي الإبارم والانتقاض ما حرك منهم إلى جهتي داعي الانتهاض وأقبلوا يعجبون مني ويسألونني كم سني ويستكشفونني عني فبقرت لهم حديثي وذكرت لهم نجيثي وأعلمت الأمير بأن أبي معي فاستدعاه وقمنا الثلاثة إلى مثواه فخلع علينا خلعه وأسبل علينا أدمعه وجاء كل خوان بأفنان الألوان.
ثم قال بعد المبالغة في وصف ما نالهم من إكرامه:
فانظر إلى هذا العلم الذي هو إلى الجهل اقرب مع تلك الصبابة اليسيرة من الأدب كيف أنقذانا من العطب؟ وهذا الذي يرشدكم إنْ غفلتم إلى الطلب.
وسرنا حتى انتهينا إلى ديار مصر. انتهى مختصرا.
والزوال العجب ونجيث الخبر: ما ظهر من قبيحه يقال: بدا نجيث القوم: إذا ظهر سرهم الذي كانوا يخفونه. قالها الجوهري.
إفادة: قال الإمام غازي ﵀: في هذه الرحلة لقي ابن العربي شيخه ذانشمند الأكبر وهو إسماعيل الطوسي ودانشمند الأصغر وهو أبو حامد الغزالي الطوسي. ومعنى ذامنشد بلغة الفرس عالم العلماء وكان شيخنا الأستاذ أبو عبد الله الصغير يحكي أنا عن شيخه أبي محمّد عبد الله العبدوسي أنَّه بلغه الفرس يفخمون ميم دانشمند والله تعالى اعلم.
قال ابن العربي في قانون التأويل: ورد علينا دانشمند يعني الغزالي فنزل برباط أبي سعد بإزاء المدرسة النظامية معرضا عن الدنيا مقبلا على الله تعالى فمشينا إليه وعرضنا أمنيتنا عليه وقلنا له: أنت ضالتنا التي كنا ننشد وإمامنا به نسترشد. فلقيناه لقاء المعرفة وشاهدنا منه ما كان فوق الصفة وتحققنا أنَّ الذي نقل إلينا من الخبر على الغائب فوق المشاهدة ليس على العموم ولو رآه علي بن العباس لمّا قال:
إذا ما مدحت امرأ غائبافلا تغل في مدحه واقصد
فإنك إنْ تغلُ تغل الظنون فيه إلى الأمد الأبعد
فيصغر من حيث عظمتهلمفضل المغيب على المشهد
انتهى.
وقال بعض من عرف به، أعنى بابن العربي ﵀، ما نصه: علم الاعلام، الطاهر الأثواب، الباهر الألباب، الذي أنسى ذكاء إياس، وترك التقليد للقياس، وانتج الفرع من الأصل، وغدا في يد الإسلام أمضى من النصل، سقى الله به الأندلس، بعد ما أجدبت من المعارف، ومدينة عليها منه الظل الوارف، فكساها رونق نبله، وسقاها ريق وبله، وكان أبوه أبو محمّد بإشبيلية المأمون لابن أبي داود، ولاه الولايات الشريفة، وبواه المراتب المنيفه، فلما أقفزت حمص من ملكهم وخلت، وألقتهم منها وتخلت، رحل به إلى المشرق، وحل فيه محل الخائف الفرق، فجال في أكنافه، وأجال قداح الرجاء في استقبال العز واستئنافه، فلم يسترد ذاهبا، ولم يجد كمعتمد باذلا زاهيا، فعاد إلى الرواية والسماع، وما استفاد من إجالة تلك الأطماع، وأبو بكر إذ ذاك في ثرى الذكاء قضيب ما دوح، وفي روض الشباب زهر ما صوح، فألزمه مجالس العلم رائحا وغاديا، ولازمه سائقا إليها وحاديا، حتى استقرت به مجالسه، واطردت له مقياسه، فجد في طلبه، واستجد به أبوه منخرق أربه،
ثم أدرك حمامه، ووراته هناك رجامه، وبقي أبو بكر متفرد، وللطلب متجردا، حتى أصبح في العلم وحيداً، ولم تجد عنه الرياسة محيدا، فكر إلى الأندلس، فحلها والنفوس إليه متطلعه، ولأنبائه متسمعه، فناهيك من حظوة لقي، ومن غزة سقى، ومن رفعة سما إليها ورقي، وحسبك من مفاخر قلدها، ومن محاسن أنس أثبتها فيها وخلدها.
وقد أثبت من بديع نظمه ما يهز أعطافا، وترده الأوهام نطافا. فمن ذلك قوله يتشوق إلى بغداد، ويخاطب أهل الوداد:
أمنك سرى والليل يخدع بالفجرخيال حبيب قد حوى قصب الفخر
جلا ظلم الظلماء مشرق نورهولم يخبط الظلماء بالأنجم الزهر
ولم يرض بالأرض البسيطة مسحبافسار على الجوزاء إلى فلك يجرى
وحث مطايا قد مطاها بعزةفأوطأها قسرا على قنة النسر
فصارت ثقالا بالجلالة فوقهاوسارت عجالا تتقي ألم الرجر
وجرت على ذيل المجرة ذيلهافمن ثم يبدو ما هناك لمن يسري
ومرت على الجرباء توضع فوقهافآثارها ما مرت به كلف البدر
وسافت أريج الخلد من جنة العلىفدع عنك رملا بالأنيعم يستذري
فما حذرت قيسا ولا خيل عامرولا أضمرت خوفاً لقاء بني ضمر
سقى الله مصرا والعراق وأهلهاوبغداد والشامين منهل القطر
انتهى.
وما أقربه من نفس الفتح، صاحب القلائد والمطمح، ولعل هذا من كلامه في المطمح. والله اعلم.
وقد طال الكلام، ولكن لا يلحقنا في مثله الملام.
ومن تآليف الإمام أبي بكر بن العربي المذكور، كتاب " القبس، في شرح موطأ مالك بن انس " وكتاب " ترتيب المسالك، في شرح موطأ مالك "، وكتاب " أنوار الفجر " في تسعين سفراً، وكتاب " أحكام القرآن "، وكتاب " عارضة الأحوذي بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة، وفتح الواو، وكسر الذال المعجمة، وآخره ياء مشددة على الترمذي "، وكتاب " مراقي الزلف "، وكتاب " الخلافيات "، وكتاب " نواهي الدواهي "، وكتاب " سراج المردين "، وكتاب المشكلين ": مشكل القرآن والسنة، وكتاب " الناسخ والمنسوخ في القرآن "، وكتاب " قانون التأويل "، وكتاب " النيران في الصحيحين "، وكتاب " سراج المهتدين "، وكتاب " الأمد الأقصى، بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا:، وكتاب غيره الكلام على " مشكل حديث السبحات والحجاب "، وكتاب " العقد الاكبر، للقاب الأصغر "، و " تبيين الصحيح، في تعيين الذبيح "، و " تفضيل التفضيل،
بين التحميد والتهليل "، ورسالة " الكافي، في أنَّ دليل على النافي "، وكتاب " السباعيات "، وكتاب " المسلسلات "، وكتاب " التوسط في المعرفة بصحة الاعتقاد، والرد على من خالف أهل السنة من ذوي البدع والإلحاد "، وكتاب " شرح غريب الرسالة "، وكتاب " الإنصاف "، وكتاب " ملجئة المتفقهين، إلى معرفة غوامض النحويين ".
ورأيت في بعض المجاميع ما نصه: قال القاضي أبو بكر بن العربي ﵀: قال علماء الحديث: ما من رجل يطلب الحديث إلاّ كان على وجهه نضرة، لقول النبي): " نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها ". الحديث.
قال: وهذا دعاء منه ﵇ لحمالة علمه، ولا بد بفضل الله من نيل بركته.
وإلى هذه النضرة أشار أبو العباس العزفي ﵀ بقوله:
أهل الحديث عصابة الحقفازوا بدعوة سيد الخلق
فوجوههم زهر منضرةلألاؤها كتألق البرق
يا ليلتي معهم فيدركنيما أدركوا بها من السبق
انتهى.
ومن أشياخ القاضي عياض ﵀.
القاضي أبو عبد الله بن حمدين التغلبي، وهو محمّد بن على بن محمّد بن عبد العزيز بن أحمد التغلبي، بمثناه من فوق، وغين معجمة، منسوب لتغلب بكسر اللام وفتحها.
ولد سنة تسع وثلاثين وأربع مائة؛ ومات يوم الخميس لثلاث بقين من المحرم سنة ثمان وخمس مائة؛ ودفن يوم الجمعة بعد صلاة العصر: وقال في حقه صاحب القلائد: حامي ذمار الدين وعاضده، وقاطع ضرر المعتدين وخاضده، ملك للعلوم زماماً، وجعل العكوف عليها لزاما، فحيا رسمها، وأعلى اسمها، وخاصمت الملحدين منه ألسن لد، وتهدلت به على العالمين أغصن ملد، وكف أيدي الظالمين، فلم تكن لهم استطالة؛ وأرهف خواطر المجتهدين، فلم تسنح لهم بطالة؛ فأصبح أهل مصره بين دارس علم، ولابس حلم، وآيس ظلم؛ ناهيك من رجل كثير الرعى لأهل المعارف، مؤو من بره إلى ظل وارف؛ أعم الورى منه، وأعظم خلق الله منه؛ وأقام وأدنى وأبعد، وأنحس وأسعد؛ فتقلصت به الظلال وفاءت، وحسنت به الأيام وساءت؛ واعمل للضرر والنفع لسانه ويده، وشغل بالرفع والوضع يومه وغده، وعمر بهما فكره وخلده؛ حتى هد الجبال الشوامخ، واجتث الأصول الرواسخ.
وما أدار ابن الحاج من خلافة سنة تسع وتسعين ما أدار، واتفق هو ومن واطاه على ما فسخته الأقدار، واستشير في الخلع فما أساغه، واريغ ضيره فلم يكن فيمتن راغه، وعوض على الحمام فما هابه، ووالي في نقض ما أبرموه جيئته وذهابه، وسمح في ذلك بنفسه، وقنع من غده بذكر أمسه. فلما أنجلت ظلماؤه، وتحلت بنجوم ظفره سماؤه، أغرى بالمطالبين اهتضامه
وحيفه، وسرى إليهم مكره سرى قيس لحمل وحذيفه، وأعلن لمن أسر إغراء ولم ينظر بالمكروه نظراءه، فأخمل منهم أعلاما، وأورث نفس الدين منهم آلاما، وألبسهم ما شاء ذما من الناس وملاما، فدجت مطالع شموسهم، وخلت مواضع تدريسهم، فأصبحوا ملتحفين بالمهانة، ومتسوفين إلى الإهانة، يروغهم الرواح والغدو، ويحسبون كل صيحة عليهم هم العدو، ويذعرهم طروق النوم للأجفان، وينكرهم الثابت العرفان، فقد فقدوا حبوراً، وعادت منازلهم قبوراً، إلى أنَّ نفس بعد أحوال، وخلا أفقهم من تلك الأهوال، فتشنقوا ريح الحياة، وأشرقوا من تلك الظلمات، بعد أنَّ أحال البؤس نعيمهم، وأخذ الحمام زعيمهم.
وكان ﵀ متضح طريق الهدى، منفسح الميدان في العلم والندي، مع أدب كالبحر الزاخر، ونثر كالدر الفاخر، وقد أثبت منه ما تعذب مقاطفه، وتلين معاطفه. فمن ذلك فضل راجع به ابن شماخ: عمر بابك، وأخضب جنابك، وطاوعك زمانك، ونعم أوانك
وسقي ديارك غير مفسدهاصوب الربيع وديمة تهمى
فما درج لسبيله من كنت سلالة سلسله، ووارث معرسه ومقيله، وما خام
وضرع، فخر رمى عن وتر قوسك ونزع، ولم يهلك هالك، ترك مثل مالك، فتركت المهاد، وألفت السهاد، وتقيلت الآباء والأجداد، فأسرجت في ميدان الحمد براقا، أتخذ الريح خافية وساقا، فأحتل من شعاب المجد صعقا، أثار به نقعا، ودوم في أفق السماء، تدويم فرخ الماء، حتى كأنه على قمة الرأس ابن ماء، فحق لباهر فضلك أنَّ يطول فيقول:
لا بقومي شرفت بل شرفوا بيوبنفسي فخرت لا بجدودي
أو يتنزل فيتمثل:
لسان واحسبنا كرمتيوما على الأحساب نتكل
تبني كما كانت أوائلناتبني ونفعل مثل ما فعلوا
كم متعاط شأو طلقك، سولت له نفسه شق غبارك، واقفاء منهاج آثارك فما أدرك، وطلح بغيره وبرك. وفي فصل منها: بيننا وسائل، أحكمتها الأوائل، ما هي بالأنكاث، والوشائج الرث من دونها عهد، جناه شهد، أرج عرف النسيم، مشرف جبين الأديم، رائق رقعه الجلباب، مقتبل رداء الشباب، كالصباح المنجاب، تروق أساريره، وتلقاك قبل اللقاء تباشيره.
ورثناهن عن آباء صدقٍونورها إذا متنا بنينا
ومن أشياخ القاضي أبي الفضل عياض الفقيه الإمام الحافظ أبو بكر بن عطية ﵀.
قال صاحب القلائد في حقه:
شيخ العلم وحامل لوائه، وحافظ حديث النبي ﷺ وكوكب سمائه، شرح الله لتحفظه صدره، وطاول به عمره، مع كونه في كل علم وافر النصيب مياسراً بالمعلى والرقيب، رحل إلى المشرق لأداء الفض، لابس برد من العمر الغض، فروى وقيد، ولقي العلماء وأسند، وأبقى تلك المآثر وخلد. نشأ في نبتة كريمة وأرزمة من الشرف غير مرومة لم يزل فيها على وجه الزمان أعلام علم، وأرباب مجد ضخم، قد قيدت مآثرهم الكتب، وأطلعتهم التواريخ كالشهب، وما برح الفقيه أبو بكر يتسنم كواهل المعارف وغواربها، ويقيد شوارد المعاني وغرائبها، لاستضلاعه بالأدب الذي أحكم أصولاه وفروعه، وعمر برهة من شبيبته ربوعه، وبرز فيه تبريز الجواد المستولي على الأمد، وجلى عن نفسه به كما جلى الصقال عن النصل الفرد، وشاهد ذلك ما أثبته من نظمه الذي يروق جملة وتفصيلاً، ويقوم على قوة العارضة دليلاً.
فمن ذلك قوله يحذر من خلطاء الزمان وينبه على التحفظ من الإنسان قال:
كم بذئب صائدً مستأنساًوإذا أبصرت إنساناً ففر
إنما الإنسان بحر مالهساحل فاحذره إياك الغرر
واجعل الناس كشخص واحدًثم كن من ذلك الشخص حذر
وله في الزهد:
أيها المطرود من باب الرضاكم يراك الله تلهو معرضا
كم إلى كم أنت في جهل الصباقد مضى عمر الصبا وانقرضا
قم إذا الليل دجت ظلمتهواستلذ الجفن إنَّ يغمضا
فضع الخد على الأرض ونحواقرع السن على ما قد مضى
وقال في هذا المعنى:
قلبي يا قلبي المعنىكم أما أدعى فلا أجيب
كم أتمادى على ضلاللا أرعوي لا ولا أنيب
ويلاه من سوء ما دهانييتوب غيري ولا أتوب
وا أسفا كيف برء دائيدائي كما شاءه الطبيب
لو كنت أدنو لكنت أشكوما أنا من بابه قريب
أبعدني منه سوء فعليوهكذا يبعد المريب
ما لي قدر وأي قدرلمن أخلت به الذنوب
وله في المعنى أيضاً:
لا تجعلن رمضان شهر فكاهةتلهيك فيه من القبيح فنونه
واعلم بأنك لا تنال قبولهحتى تكون تصومه وتصونه
وله في مثل ذلك:
إذا لم يكن في السمع مني تصاونوفي بصري غض وفي مقولي صمت
فحظي إذن صومي الجوع والظمأوأنْ قلت إني صمت يومي فما صمت
وله المعنى الأول:
جفوت أنساناً كنت آلف وصلهموما في الجفا عند الضرورة من باس
بلوت فلم أحمد وأصبحت آيساولا شيء أشفى للنفوس من الياس
فلا عذلوني في انقباضي فإننيرأيت جمع الشر في خلطة الناس
وله يعاتب بعض أخوانه:
وكنت أظن أنَّ الجبال رضوىيزول وأنْ ودت لا يزول
ولكن الأمور لها اضطرابوأحوال ابن آدم تستحيل
فإن يك بيننا وصل جميلوإلاّ فليكن هجر طويل
وأما شعره الذي اقتدحه من مرخ الشباب وعفاره وكلامه الذي وشحه بمآرب الغزل وأوطاره فإنه أنسى إلى ما تناساه وتركه حين كساه العلم والورع من ملابسه ما كساه. فما وقع من ذلك قوله:
كيف السلو ولي حبيب هاجرقاسي الفؤاد يسومني تعذيبا
لمّا درى أنَّ الخيال مواصليجهل السهاد على الجفون رقيبا
وله أيضاً ﵀:
يا من عهودي لديك ترعىأنا على عهدك الوثيق
إنْ شئت أنْ تسمعي غراميمن مخبر عالم صدوق
فاستخبري قلبك المعنىيخبرك عن قلبي المشوق
انتهى.
ومن أشياخ القاضي أبي الفضل عياض ﵀: الشيخ الإمام النحوي الأديب اللغوي أبو عبد الله بن محمّد بن السيد
بكسر السين البطليوسي بفتح الموحدة والطاء المهملة والتحتانية وسكون اللام والواو نزيل بلنسية.
قال السيوطي في الطبقات: كان عالما باللغات والآداب متبحرا فيها انتصب لإقراء علم النحو وجتمع إليه الناس وله يد في العلوم القديمة. ذكره في قلائد العقيان وبالغ في وصفه.
وكان لابن الحاج صاحب قرطبة ثلاثة أولاد من أجمل الناس صورة: رحمون وعزون وحسون فأولع بهم وقال فيهم:
أخفيت سقمي حتى كاد يخفينيوهمت في حب عزون فعزوني
ثم أرحموني برحمون فإنَّ ظمئتنفسي إلى ريق حسون فحسوني
ثم خاف على نفسه فخرج من قرطبة.
صنف: شرح أديب الكتاب شرح الموطأ شرح سقط الزند شرح ديوان المتنبي إصلاح الخلل الواقع في الجمل الحلل في شرح أبيات الجمل المثلث المسائل المنثور في النحو وله كتاب " التنبيه على الأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين في رأيهم واعتقادهم " وهو كتاب عظيم. لم يصنف مثله وغير ذلك. ولد سنة أربع وأربعين وأربع مائة ومات في رجب سنة إحدى وعشرين وخمس مائة ببلنسية.
ومن شعره:
أخو العلم حي خالد بعد موتهوأوصاله تحت التراب رميم
وذو الجهل ماش على الثرىيظن من الأحياء وهو عديم
ذكر في جمع الجوامع. انتهى كلام السيوطي في الطبقات.
النص من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع