من «أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
وسياقته الأولية
كان هذا الحافظ أبو عبد الله بن الأبار من مشيخة أهل بلنسية وكان علامة في الحديث ولسان العرب وبليغا في الترسيل والشعر وكتب عن السيد أبي عبد الله بن حفص بن عبد المؤمن ببلنسية ثم عن ابنه ثم دخل معه دار الحرب حين نزع به ثم كتب عن ابن مردنيش. ولما زحف الطاغية إلى بلنسية ونازلها، بعث زيان بوفد بلنسية وبيعتهم، إلى الأمير أبي زكريا، وكان فيهم ابن الأبار هذا الحافظ، فحضر مجلس السلطان، وأنشد قصيدته على روى السين يستصرخه، فبادر السلطان بإغاثتهم، وشحن الأساطيل بالمدد إليهم، من المال والأقوات والكسا، فوجدهم في عسرة الحصار، إلى أن تغلب الطاغية على بلنسية، ورجع ابن الأبار بأهله إلى تونس، غبطة بإقبال السلطان عليه، فنزل منه بخير مكان، ورشحه لكتب علامته في صدور رسائله ومكتوباته، فكتبها مدة، ثم إن السلطان أراد صرفها لأبى العباس الغسانى، لما كان يحسن كتابتها بالخط المشرقي، وكان آثر عنده من الخط المغربي، فسخط بن الأبار، أنفة من إيثار غيره عليه، وافتات على السلطان في وضعها في كتاب أمر بإنشائه، لقصور الترسيل يومئذ في الحضرة عليه، وأن يبقى مكان العلامة منه لواضعها. فجاهز بالرد، ووضعها استبدادا وأنفة؛ وعوتب على ذلك، فاستشاط غضبا، ورمى بالقلم، وأنشد متمثلا:
اطلب العز في لظى وذر الذل ولو كان في جنان الخلود
فنمى ذلك إلى السلطان فأمر بلزومه بيته ثم استعتب السلطان بتأليف رفعه إليه عد فيه من عوتب من الكتاب وأنّب وسماه إعتاب الكتاب واستشفع المستنسر بالله فغفر السلطان له وأقل عثرته وأعاده إلى الكتابة ولمّا الأمير أبو زكريا رفعه المستنصر إلى حضور مجلسه مع الطبقة الذين كانوا الأندلس وأهل تونس. وكان في ابن الأبار أنفة وبأو وضيق خلق وكان يزرى على المستنصر في مباحثه ويستقصر مداركه فخشن له صدره مع ما كان يسخط به السلطان من تفضيل الأندلس وولاتها عليه.
وكانت لابن أبى الحسين فيها سعاية لحقد قديم سببه أن ابن الأبار لما قدم في الأسطول من بلنسية نزل ببنزرت وخاطب ابن أبى الحسين بغرض رسالته ووصف أباه في عنوان مكتوبة بالمرحوم ونبه على ذلك فاستضحك وقال إن أبًا لا تعرف حياته من موته لأب خامل ونميت إلى ابن أبى الحسين فأسرها في نفسه ونصب له إلى أن حمل السلطان على إشخاصه إلى بجاية ثم رضى عنه واستقدمه ورجعه إلى مكانه من المجلس وعاد هو إلى مساءة السلطان بنزعاته إلى أن جرى في بعض الأيام ذكر مولد الواثق وساءل عنه السلطان بعض من حضره فاستبهم فغدا عليه ابن الأبار بتاريخ الولادة وطالعها فاتهم بتوقع المكروه للدولة والتربص بها كما كان أعداؤه يشيعون عنه بما كان ينظر في النجوم فتقبض عليه وبعث السلطان إلى داره فرفعت إليه كتبه أجمع وألفى في أثنائها -فيما زعموا- رقعة بأبيات أولها:
طغا بتونس خلفسموه ظلما خليفه
فاستشاط لها السلطان وأمر بامتحانه ثم بقتله فقتل قعصا بالرماح وسط محرم
من سنة ثمان وخمسون، يعني وست مائة. ثم أحرق شاوه، وسيقت مجلدات كتبه، وأوراق سماية ودواوينه، فأحرقت معه.
انتهى كلام ابن خلدون.
والقصيدة السينية التي أشار إليها ابن خلدون، كنت عزمت على ذكرها أوّل تراجم هذا الكتاب، حين ذكرت أمر الجزيرة، وأتيت بقصيدة صالح ابن شريف، فنسيت ذلك، حتى قضى الله به الآن؛ وهي من غرر القصائد الطنانة، وهذا نصها:
أدرك بخيلك خيل الله أندلساإنَّ السبيل إلى منجاتها درسا
وهب لها من عزيز النصر ما التمستفلم يزل منك عز النصر ملتمسا
وحاش مما نعانيه حشاشتهافطالما ذاقت البلوى صباح مسا
يا للجزيرة أضحى أهلها جزاراًللحوادث وأمسى جدها تعسا
في كل شارقة إلمام بائقةيعود مأتمها عند العدا عرسا
وكل غاربةٍ إجحاف نائبةتثنى الأمان حذار والسرور أسا
تقاسم الروم لا نالت مقاسمهمولا عقائلها المحجوبة الأنسا
وفي بلنسة منها وقرطبةما ينسف النفس أو ما ينزف النفسا
مدائن حلها الإشراك مبتسماجذلان وارتحل الإيمان مبتئسا
وصيرتها العوادي العابثات بهايستوحش الطرف منها ضعف
فمن دساكر كانت دونها حرماومن كنائس كانت
يا للمساجد عادت للعدا بيعاوللنداء غدا
لهفي عليها إلى استرجاع فائتهامدارساً للمثاني
وأربعا نمنمت أيدي الربيع لهاما شئت من ... موشيةٍ وكسا
كانت حدائق للأحداق مونقةًفصوح النضر من أدواحها وكسا
وحال ما حولها من منظر عجبيستجلس الركب أو يستركب الجُلسا
سرعان ما عاث جيش الكفر واحرباعيث البا في مغانيها التي كبسا
وابتز بزتها مما تحيفهاتحيف الأسد الضاري لمّا افترسا
فأين عيش جنيناه بها خضراًوأين غصن جنيناه بها سلسا
حمى محاسنها طاغٍ أتيح لهاما نام عن هضمها حينا ولا نعسا
ورج أرجاءها لمّا أجاط بهافغادر الشم من أعلامها خنسا
خلا له الجو فامتدت يداه إلىإدراك ما لم تطأ رجلاه مختلسا
وأكثر الزعم بالتثليث منفرداولو رأى راية التوحيد ما نبسا
صل حبلها أيها الملى الرحيم فماأبقى المراس لها حبلا ولا مرسا
وأحي ما طمست منها العداة كماأحييت من دعوة المهدي ما طمسا
أيام سرت لنصر الحق مستبقاوبت من نور ذاك الهدى مقتبسا
وقمت فيها بأمر الله منتصراكالصارم اهتز أو كالعارض انبجسا
تمحو الذي كتب التجسيم من ظلموالصبح ماحية أنواره الغلسا
وتقضي الملك الجبار مهجتهيوم الوغى جهرة لا ترقب الخلسا
هذي رسائلها تدعوك من كثبٍوأنت أفضل مرجو لمن يئسا
فتك جارية بالنجح راجيةًمنك الأمير الرضا والسيد الندسا
..سبحت والريح عاتيةكما طلبت بأقصى شدة الفرسا
عبد الله الواحد بن أبيحفص مقبلة من تربة القدسا
ملك تقلدت الأملاك طاعتهديناً ودنيا فغشها الرضا لبسا
من كل غادٍ على يمناه متسلماوكل صادٍ إلى نعماه ملْتمسا
مؤيد لو رمى نجمها لأثبتهولو دعا أفقا لبى وما احتبسا
تالله إنَّ الذي ترجى السعود لهما جال في خلد يوما ولا هجسا
إمارة يحمل المقدار رايتهاودولة عزها يستصحب القعسا
يبدي النهار بها من ضوئه شنباًويطلع الليل من ظلماته لعسا
ماضي العزيمة والأيام قد نكلتطلق المحيا ووجه الدهر قد عبسا
كأنه البدر والعلياء هالتهتحف من حوله شهب القنا حرسا
تدبيره وضع الدنيا وما وسعتوعرف معروفه واسى الورى وأسا
قامت على العدل والإحسان دولتهوأنشرت من وجود الجود ما رمسا
مبارك هديته بادٍ سكينتهما قام إلاّ إلى حسنى ولا جلسا
قد نور الله بالتقوى بصيرتهفما يبالي طروق الخطب ملتبسا
برى العصاة وراش الطائعين فقلفي الليث مفترسا والغيث مرتجسا
ولم يغادر على سهل ولا جبلحيا لقاحاً إذا وفيته بخسا
أصيد لا تلقي به صيداًورب أشوس لا تلقي له شوسا
والملوك معاًفي نبعة أثمرت للمجد ما غرسا
وصان صيغته أنْ......
فظل يوطن من أرجائها حرماوبات يوقد من أضوائها قبسا
بشرى لعبد إلى الباب الكريم حداآماله ومن العذب المعين حسا
كأنما يمتطي واليمين يصحبهمن البحار طريقا نحوه يبسا
فاستقبل السعد وضاحا اسرتهمن صفحة فاض منها النور وانعكسا
وقبل الجود طفاحا غواربهمن راحة غاص فيها البحر وانغمسا
يا أيها الملك المنصور أنت لهاعلياء توسع أعداء الهدى تعسا
وقد تواترت الأنباء أنك منيحيى بقتل ملوك الصفر أندلسا
طهر بلادك منهم إنهم نجسولا طهارة ما لم نغسل النجسا
تنبيه: " نغسل النجسا " هكذا ثبت بالنون كما رأيته في بعض النسخ العتيقة وهو أصوب مما وقع بخط بعضهم بالتاء لأن مثله لا يصلح للمخاطبات السلطانية ولم يشتهر عند أكثر الناس إلاّ بالتاء والصواب ما قدمته من أنه بالنون والله اعلم.
وأوطئ الفليق الجرار أرضهمحتى يطأطئ رأسا كل من رأسا
وانصر عبيد بأقصى شرقها شرقتعيونهم أدمعا تهمي
هم شيعة الأمر وهي الدار قد نهكتداء
وذكر غير واحد أنَّه دخل مرة على المستنصر بالله الحفصي فلما مثل بين يديه آنسه بإقباله أو سؤاله فأنشده الحافظ ﵀:
بشرى باشرت الهدى والنورابلقاني المستنصر المنصورا
فإذا أمير المؤمنين لقيتهلم ألق إلاّ نضرة وسرورا
ومن بديع نثره ﵀ رسالته الحافلة التي كتب بها للمستنصرو هي الرسالة الغريبة مساقا المتلألئة نظما واتساقا التي لم ينسج على منوالها ولم يأت أحد بمثالها يصف وصول الماء إلى تونس ويشير في ذلك إلى إشارات عجيبة تدل على أنَّ قريحته الوقادة لداعي الإجابة مجيبه وهي: الحمد لله حمدا لا نقلله. هذا الزمان الذي كنا نؤمله " بلدة طيبة ورب غفور " ودولة مباركة لمحاسنها سفور.
إلى أبي حفص آلوا فهل جالت النجوم حيث جالوا أو نالت الملوك بعض ما نالوا ملك يشتمل الإقبال وعز يقلقل الأجيال وكرم صريح الانتماء في النماء وشرف سمت ذوائبه على السماء إلى عدل وإحسان هما قوام نوع الإنسان مع رفق واسجاح ضمنا كل فوز ونجاح فقد آضت الظلماء أنوارا وفاضت البركات أنجادا وأغوارا أليس العام ربيعا والعالم جميعا والسعود طالعة والعصور طائلة مصالح الأعمال تحليها وعلى منصات الكمال تجليها فمن ذا أيّها المولى يجاريك إلى مدى أو يباريك في إقدام صادق وندى وآياتك للأبصار هدى وحياتك للكفر ردى بسيرتك عدل الدهر وما جار ولولا نور غرتك ما أنار لقد حسنت بك الأوقات حتى كأنك في فم الزمن ابتسام أعرقت في المجد والعليا وعنيت بالدين فعنت لك الدنيا
أي عنيد أو عميد ما ألقى باليد واتقى في اليوم عاقبة الغد إصفاقا على التعوض بصفحك واسعادك وإشفاقا من التعرض لصفاحك وصعادك تعمر بالحسنات آناءك وتتبع في القربات آباءك بانيا كما بنوا بل زائدا على ما أتوا وباديا من حيث انتهوا:
أناس من التوحيد صيغت نفوسهمفزرهم تر التوحيد شخصا مركبا
ومن ساكبات المزن فيض أكفهمفردهم ترى ماء الغمام وأعذبا
أمجاد أجواد في الحباء بحار وفي الحبا أطواد تقيل أبو زكريا نهج أبي محمّد وأيدا جميعا بأبي حفص المؤيد:
نسب كأن عليه من شمس الضحىنورا ومن فلق الصباح عمودا
أولئك صفوة الأئمة وحفظة الأذمة والقائمون دون الأمة في الحوادث الدلهمة وهذه الدولة المحمدية الخالدية بمكانها الدعوة المهدية إليها انتهت المراشد وعليها التفت المحامد وبها اعتزت حين اعتزت العناصر والمحاتد ومن خصائصها انفعال الوجود ومن مراسمها الإيثار بالموجود والبدار إلى إغاثة الملهوف وإعانة المنجود ما برحت للخيرات إيضاعها وخبها وبالصالحات غرامها وحبها حتى لقد فهمت أسرارها وأودعت أنوارها وكلفت أو كفلت إفشاءها وإظهارها يمينا أنْ يمين الحق به طولي وللآخرة خير لها من الأولى بمولانا أيده الله عز مكانها وخلدت سديدة آثارها شديدة أركانها لا جرم أنَّه الطاهر كالماء الذي جلبه للطهارة والظاهر ولاء ولواء في مصعد الخلافة ومقعد الإمارة بالسعادة الأبدية وجدة وكلفة وما همة إلاّ تجاوز ما أسلفه سلفه فجر من الأرض ينبوعا وجدد للجدوى رسوما عافية وربوعا ساحتها الحرم وهو زمزم قصاده وحجاجه وراحته البحر الخضم غير
طعمه وارتجاجه ما أظهره خلالا وأبهره جلالا " هكذا هكذا وإلاّ فلا لا " غابت كماة المعارك وشهد ونامت ولاة الممالك وسهد فمتى قسطوا أقسط وإذا غورا أنبط ولذلك ما أبطل عمله أعمالهم غلبهم على صفتي الندى والباس وسلبهم منقبتي حمزة والعباس.
قال جامع هذا المصنف: أشار الإمام ابن الأبار بقوله: " منقبتي حمزة والعباس " إلى شجالعة حمزة الشهير الذكر وثباته الذي يجعل عن الفكر وإلى استسقاء عمر بالعباس ﵄ فأتى من الحيا ما عم بالحيا وهمر من الماء ما شفي بعميم الإرواء نفوس الظماء الله اعلم.
النص من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع