من «المعجب في تلخيص أخبار المغرب» لعبد الواحد المراكشي (ت ٦٤٧هـ)
ذكر ولاية أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن وما يتعلق بها
الصفحة ٢ من ٢
هذا كله لا ينازعه إياه أحد ولا يمتنع عليه منه درهم، مضافًا إلى مراكش وأعمالها؛ وأعمال مراكش أيضًا في نهاية من السعة؛ لأن بالقرب منها قبائل ضخمة وبلادًا كثيرة؛ فلم يرتفع لملك من الملوك -أعني ملوك المغرب- قبل أبي يعقوب هذا وبعده، ما ارتفع إليه من الأموال.
وقد بلغني من جهة رجل من أصحابنا كان يتولى بيوت الأموال، قال لي: وُجدت خرائط كثيرة مما كان يرتفع إلى أمير المؤمنين أبي يعقوب بختمها.... قال لي هذا القول في غرة سنة.
وفي أيام أبي يعقوب ورد علينا المغرب أول من وردها من الغُزِّ، وذلك في آخر سنة، وما زالوا يكثرون عندنا إلى آخر أيام أبي يوسف.
ولم تزل أيام أبي يعقوب هذا أعيادًا وأعراسًا ومواسم: كثرة خصب، وانتشار أمن، ودُرُور أرزاق، واتساع معايش؛ لم ير أهل المغرب أيامًا قط مثلها؛ واستمر هذا صدرًا من إمارة أبي يوسف.
محاولة أبي يعقوب فتح شنترين، ووفاته
ولما كانت سنة تجهز أبو يعقوب للغزو، واستنفر أهل السهول والجبال من المصامدة والعرب وغيرهم، وخرج بجيوشه قاصدًا جزيرة الأندلس؛ فعبر البحر بعساكره كما ذكرنا، وقصد مدينة إشبيلية على عادته؛ إذ هي منزله ومنزل الأمراء من بنيه بالأندلس أيام كونهم بها؛ فأقام بها ريثما أصلح الناس شئونهم وأخذوا أهبتهم؛ ثم خرج يقصد مدينة شنترين -أعادها الله للمسلمين-. وهذه المدينة -أعني شنترين- بمغرب الأندلس؛ وهي من أمنع المدائن -وقد تقدم ذكرها في أخبار الدولة اللمتونية- يملكها وَجهاتها مع بلاد كثيرة هنالك: ملك من ملوك النصارى يعرف بـ ابن الريق -لعنه الله- فخرج أمير المؤمنين -كما ذكرنا- في جيوشه حتى نزل عليها، فضايقها وأخذ في قطع ثمارها وإفساد زروعها وشن الغارات على نواحيها. وكان ابن الريق -لعنه الله- حين سمع بحركة أبي يعقوب إليه وصح عنده أنه
يقصده، نظر في أمره، فلم ير له طاقة بدفاعه ولا نهضة لمقاومته؛ فلم يكن له هم إلا أن جمع وجوه دولته وأعيان جنده وذوي الغناء من قواده وسائر أتباعه، ودخل بهم مدينة شنترين؛ واثقًا بحصانتها وشدة منعتها؛ هذا بعد أن ملأها أقواتًا وسلاحًا وجميع ما يحتاج إليه، وجلل أسوارها مقاتلة معهم الدَّرَق والقسي والحراب؛ إلى غير ذلك مما يحتاج إليه.
فنزل عليها أبو يعقوب، فألفاها كما ذكرنا: قد استعد أهلها بكل ما يظنونه نافعًا لهم ودافعًا عنهم؛ وهذه المدينة على نهر عظيم من أنهار الأندلس المشهورة، يسمى تاجو؛ فبالغ أبو يعقوب -كما ذكرنا- في التضييق عليها وانتساف معايشها وقطع المواد والمدد عنها؛ فما زاد ذلك أهلها إلا صرامة وشدة وجَلَدًا؛ فخاف المسلمون هجوم البرد -وكان في آخر فصل الخريف- وخافوا أن يعظم النهر فلا يستطيعوا عبوره وينقطع عنهم المدد؛ فأشاروا على أمير المؤمنين بالرجوع إلى إشبيلية، فإذا كان وجه الزمان عادوا إليها أو بعث من يتسلمها. وصوروا له أنها في يده، لا يمنعه منها مانع. فقبل ذلك منهم ووافقهم عليه، وقال: نحن راحلون غدًا إن شاء الله. ولم ينتشر هذا القول كل الانتشار؛ لأنه كان قاله في مجلس الخاصة؛ فكان أول من قوض خباءه وأظهر الأخذ في أهبة الرحيل، أبو الحسن علي بن عبد الله بن عبد الرحمن المعروف عندهم بـ المالقي -وقد تقدم ذكر أبيه في قضاة عبد المؤمن- وكان أبو الحسن هذا خطيبهم ومعتبرًا عندهم، يدعى خطيب الخلافة. وكان له حظ جيد من الفقه ومعرفة الحديث، وقسم وافر من قرض الشعر وصناعة الكتابة. فلما رآه الناس قوض خباءه قوضوا أخبيتهم ثقة به؛ لمكانه من الدولة ومعرفته بأخبارها؛ فعبر في تلك العشية أكثر العسكر النهر يريدون التقدم خشية الزحام وحرصًا على أخذ جيد المواضع واختيار المنازل؛ ولم يبق إلا من كان بقرب خباء أمير المؤمنين.
وبات الناس يعبرون الليل كله وأمير المؤمنين لا علم له ذلك؛ فلما رأى الروم عبور العساكر وبلغهم من جهة عيونهم الذين بالعسكر ما عزم عليه أبو يعقوب والمسلمون من الرحيل، ورأوا انفضاض الأجناد وافتراق أكثر الجموع، خرجوا منتهزين للفرصة التي أمكنتهم، في خيل كثيفة؛ فحملوا على من يليهم من الناس، فانهزموا أمامهم، حتى بلغوا الخباء الذي فيه أمير المؤمنين أبو يعقوب؛ فقتل على
باب الخباء من أعيان الجند خلق كثير، أكثرهم من أعيان الأندلس؛ وخلص إلى أبي يعقوب فطعن تحت سرته طعنة, مات منها بعد أيام يسيرة ...
وتدارك الناس فانهزم الروم راجعين إلى بلدهم بعد أن قضوا ما قضوا، وعبر بأمير المؤمنين النهر جريحًا، فجُعل في مِحَفَّة وسِيرَ به.
عاقبة أبي الحسن المالقي الخطيب
وسأل أمير المؤمنين: من كان السبب في حركة الناس على هذا الوجه المؤدي إلى هذا الاختلال؟! فأخبر بما فعله أبو الحسن المالقي؛ فقال يتوعده: سيجني ثمرتها إن شاء الله! فلما بلغه ذلك هرب حتى دخل مدينة شنترين فارًّا بنفسه على ملك الروم ابن الريق؛ فأحسن نزله وأكرم مثواه وأجرى عليه رزقًا واسعًا. ولم يزل عنده مكرمًا إلى أن بدا له من سوء رأيه أن يكتب كتابًا إلى الموحدين يستعطفهم ويسأل من عرفه من أعيانهم الشفاعة له؛ وأدرج في ضمن ذلك فصلاً يذكر فيه ضعف المدينة, وأنهم لو كانوا أقاموا عليها ليلة أخرى أخذوها، ويدلهم على بعض عوراتها مما كان خفي عنهم؛ وقال لملك الروم ابن الريق: إني أحب أن أكتب كتابًا إلى عيالي وأولادي وأخبرهم بسلامتي وأعلمهم إكرام الملك إياي وإحسانه إلي وما أنا فيه من العافية، حتى تطمئن نفوسهم؛ وأريد أن توجه مع الذي يحمله من يَخفره إلى أول بلاد المسلمين؛ فأذن له في ذلك وأجابه إليه؛ فكتب الكتاب ...
وكان العلج الموكل به الذي يقوم عليه ويأتيه بكل ما يحتاج إليه، يعرف لسان العرب -إلا أنه لم يكن يتكلم به- ويقرأ الخط العربي؛ فقام أبو الحسن المذكور لبعض حوائجه وترك الكتاب منشورًا، ولم يخطر له أن العلج يعرف شيئًا من لسان العرب ولا يقرأ الخط العربي؛ فلمح العلج الكتاب لمحة، ووقف على الفصل المذكور وفهم مقصوده؛ فمضى حتى دخل على الملك وأخبره الخبر....
وختم أبو الحسن الكتاب ودفعه إلى بعض عبيده؛ فلما خرج العبد بالكتاب وفصل عن المدينة بنحو من مرحلة، أمر بالقبض عليه هناك وأخذ الكتاب منه؛ فلما أتي بالكتاب فتحه وجمع المسلمين الذين بالمدينة وألقى إليهم الكتاب وأمرهم بقراءة ذلك الفصل المذكور؛ واستحضر أبا الحسن، وقال لترجمانه: قل له: ما حملك على ما صنعت مع إكرامي لك وبري بك؟! فكان من جوابه أن قال: إن برك بي وإكرامك
إياي لا يمنعاني من النصح لأهل ديني والدلالة لهم على ما فيه مصلحتهم! فشاور ابن الريق -لعنه الله- قسيسيه في أمره؛ فأشاروا عليه بإحراقه، فأحرقوه.
وفاة الأمير أبي يعقوب
وأما ما كان من أمر أمير المؤمنين أبي يعقوب؛ فإنهم لما عبروا به النهر كما ذكرنا، أثقله الجُرْح واشتد عليه؛ فما ساروا به إلا ليلتين أو ثلاثًا حتى مات ﵀؛ فأخبرني من كان معهم في تلك السفرة أنه سمع النداء فيما بين العشاءين في العسكر كله: الصلاةُ على الجنازة، جنازة رجل. فصلى الناس قاطبة على الجنازة لا يعرفون على من صلوا؛ ولم يعلم بذلك إلا خواص أهل الدولة، وساروا به حتى بلغوا إشبيلية فنزلوها، فصَبَّروه وبعثوا به في تابوت مع كافور الحاجب مولاه المتقدم الذكر إلى تينملّ؛ فدُفن هناك مع أبيه عبد المؤمن, وابن تومرت.
وكانت وفاته يوم السبت قبيل غروب الشمس, لسبعٍ خلون من رجب الفرد سنة.
أخبرني ابنه أبو زكريا يحيى -رحمة الله عليه- أنه كان قبل موته بأشهر يسيرة كثيرًا ما يردد هذا البيت:
طوى الجديدان ما قد كنتُ أنشرهوأنكرتني ذواتُ الأعين النُّجُلِ!
النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع