من «المعجب في تلخيص أخبار المغرب» لعبد الواحد المراكشي (ت ٦٤٧هـ)
ذكر ولاية أبي يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن
الصفحة ٢ من ٢
بإخراجهم على أسوإ حال، حفاة عراة الرءوس؛ فخرجوا وكل واحد منهم لا يشك أنه مقتول!.
ولم يزل أمر القرابة من يومئذ في خمول وهلُمّ، وقد كانوا قبل ذلك لا فرق بين أحدهم وبين الخليفة سوى نفوذ العلامة؛ فكان جملة من قتل يعقوب, أخويه وعمه!.
وقعة الأرك
ولما كان في سنة انتقض ما بينه وبين الأدفنش -لعنه الله- من العهد؛ فخرجت خيل الأدفنش تدوس البلاد وتجوس خلالها؛ إلى أن كثر عَيْثها بالأندلس.
وتجهز أمير المؤمنين وأخذ في العبور، فعبر البحر في حمادى الآخرة من سنة بجموع عظيمة، ونزل مدينة إشبيلية، فلم يقم بها إلا يسيرًا ريثما اعترض الجند, وقسم الأموال وخرج يقصد بلاد الروم.
وسمع الأدفنش -لعنه الله- بقصده، فتجهز هو أيضًا في جموع ضخمة؛ والتقوا بموضع يعرف بـ فَحْص الحديد؛ وكان الأدفنش قد جمع جموعًا لم يجتمع له مثلها قط؛ فلما تراءى الجمعان اشتد خوف الموحدين وساءت ظنونهم؛ لما رأوا من كثرة عدوهم؛ وأمير المؤمنين في ذلك كله لا مستند له إلا الدعاء والاستعانة بكل من يظن عنده خيرًا من الصالحين.
فلما كان يوم الأربعاء وهو الثالث من شعبان من هذه السنة المذكورة، التقى المسلمون وعدوهم؛ فأنزل الله على الموحدين نصره، وأفرغ عليهم صبره، ومنحهم أكتاف الروم؛ وكانت الدائرة على الأدفنش -لعنه الله- وأصحابه؛ ولم ينجُ إلا هو في نحو من ثلاثين من وجوه قواده؛ واستشهد من المسلمين جماعة من أعيان الموحدين وغيرهم، منهم الوزير أبو يحيى أبو بكر بن عبد الله ابن الشيخ أبي حفص المتقدم الذكر في وزراء أبي يوسف.
وخرج أمير المؤمنين بنفسه حتى أتى قلعة رباح، وقد انجلى عنها أهلها، فدخلها، وأمر بكنيستها فغيرت مسجدًا؛ فصلى فيها المسلمون؛ واستولى على ما
حول طليطلة من الحصون؛ ثم رجع إلى مدينة إشبيلية منصورًا مفتوحًا عليه.
وكانت هذه الهزيمة أختًا لهزيمة الزلاقة، المتقدم ذكرها في مدة يوسف بن تاشفين أمير المرابطين.
وأقام أمير المؤمنين بإشبيلية بقية سنة، وقصد بلاد الروم في السنة الثانية، فنزل على مدينة طليطلة بعساكره؛ فقطع أشجارها، وانتزف معايشها، وغوَّر مياهها، وأنكى في الروم أشد نكاية.
ثم عاد في السنة الثالثة أيضًا، وتوغل بلاد الروم، ووصل إلى مواضع لم يصل إليها ملك من ملوك المسلمين قط؛ ورجع إلى مدينة إشبيلية، فأرسل الأدفنش إليه -لعنه الله- يسأله المهادنة، فهادنه إلى عشر سنين، فعبر البحر بعد أن أصلح الجزيرة ورتب فيها من يقوم بحمايتها، وقصد مدينة مراكش، وذلك في سنة.
عزم أبي يوسف على قصد مصر، ووفاته
فبلغني عن غير واحد أنه صرح للموحدين بالرحلة إلى المشرق، وجعل يذكر البلاد المصرية وما فيها من المناكر والبدع، ويقول: نحن -إن شاء الله- مطهروها؛ ولم يزل هذا عزمه إلى أن مات ﵀ في صدر سنة كما ذكر- ودفن بـ تينمل مع آبائه.
شيء من سيرته
وكان في جميع أيامه وسيره مؤثرًا للعدل، متحريًا له بحسب طاقته وما يقتضيه إقليمه والأمة التي هو فيها؛ كان في أول أمره أراد الجري على سنن الخلفاء الأول ...
فمن ذلك أنه كان يتولى الإمامة بنفسه في الصلوات الخمس؛ لم يزل على ذلك مستمرًّا أشهرًا، إلى أن أبطأ يومًا عن صلاة العصر إبطاء كاد وقتها يفوت، وقعد الناس ينتظرونه؛ فخرج عليهم فصلى ثم أوسعهم لومًا وتأنيبًا، وقال: ما أرى صلاتكم إلا لنا، وإلا فما منعكم عن أن تقدموا رجلاً منكم فيصلي بكم؟ أليس قد قدم أصحاب رسول الله ﷺ عبد الرحمن بن عوف حين دخل وقت الصلاة وهو غائب؟ أما لكم بهم أسوة وهم الأئمة المتبعون والهداة المهتدون؟ فكان ذلك سببًا لقطعه الإمامة.
وكان يقعد للناس عامة، لا يُحجَب عنه أحد من صغير ولا كبير؛ حتى اختصم إليه رجلان في نصف درهم، فقضى بينهما؛ وأمر الوزير أبا يحيى صاحب الشرطة أن يضربهما ضربًا خفيفًا تأديبًا لهما؛ وقال لهما: أما كان في البلد حكام قد نصبوا لمثل هذا؟ فكان هذا أيضًا مما حمله على القعود في أيام مخصوصة لمسائل مخصوصة, لا ينفذها غيره.
ولما ولى أبا القاسم بن بقي المتقدم الذكر، كان فيما اشترط عليه أن يكون قعوده بحيث يسمع حكمه في جميع القضايا؛ فكان يقعد في موضع بينه وبين أمير المؤمنين سِتْر من ألواح.
وكان قد أمر أن يدخل عليه أمناء الأسواق وأشياخ الحضر في كل شهر مرتين، يسألهم عن أسواقهم وأسعارهم وحكامهم.
وكان إذا وفد عليه أهل بلد فأول ما يسألهم عن عمالهم وقضاتهم وولاتهم؛ فإذا أثنوا خيرًا قال: اعلموا أنكم مسئولون عن هذه الشهادة يوم القيامة؛ فلا يقولن امرؤ منكم إلا حقًّا. وربما تلا في بعض المجالس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾.
ولما خرج إلى الغزوة الثانية سنة وهي الغزة التي كانت بعد الوقعة الكبرى التي أذل الله فيها الأدفنش وجموعه, وأعز الإسلام وأنصاره- كتب قبل خروجه إلى جميع البلاد بالبحث عن الصالحين والمنتمين إلى الخير وحملهم إليه؛ فاجتمعت له منهم جماعة كبيرة كان يجعلهم كلما سار بين يديه، فإذا نظر إليهم قال لمن عنده: هؤلاء الجند, لا هؤلاء! ويشير إلى العسكر؛ فكان في ذلك شبيهًا بما حُكي
عن قتيبة بن مسلم والي خراسان حين لقي الترك وكان في جيشه أبو عبد الله محمد بن واسع؛ فجعل يكثر السؤال عنه، فأخبر أنه في ناحية من الجيش متكئًا على سِيَة قوسه رافعًا إصبعه إلى السماء يُنَضْنِض بها؛ فقال قتيبة: لإصبعُهُ تلك أحب إلي من عشرة آلاف سيف!.
ولما رجع أمير المؤمنين أبو يوسف من وجهه هذا، أمر لهؤلاء القوم بأموال عظيمة، فقبل منهم من رأى القبول، ورد من رأى الرد؛ فتساوى عنده ﵁ الفريقان، وقال: لكل مذهب؛ ولم يزد هؤلاء ردهم ولا نقص أولئك قبولهم.
وكان كثير الصدقة؛ بلغني أنه تصدق قبل خروجه إلى هذه الغزوة -أعني التي كانت فيها الوقعة الكبرى- بأربعين ألف دينار، خرج منها للعامة نحو من نصفها، والباقى في القرابة؛ أدركتهم وقد قسموا مدينة مراكش أرباعًا، وجعلوا في كل ربع أمناء معهم أموال يتحرون بها المساتير وأرباب البيوتات. وكان كلما دخلت السنة يأمر أن يكتب له الأيتام المنقطعون، فيجمعون إلى موضع قريب من قصره، فيُختنون ويأمر لكل صبي منهم بمثقال وثوب ورغيف ورمانة. وربما زاد على المثقال درهمين جديدين؛ هذا كله شهدته لا أنقله عن أحد من الناس.
وبنى بمدينة مراكش بيمارستانًا ما أظن أن في الدنيا مثله؛ وذلك أنه تخير ساحة فسيحة بأعدل موضع في البلد، وأمر البنائين بإتقانه على أحسن الوجوه؛ فأتقنوا فيه من النقوش البديعة والزخاريف المحكمة ما زاد على الاقتراح؛ وأمر أن يغرس فيه مع ذلك من جميع الأشجار المشمومات والمأكولات، وأجرى فيه مياهًا كثيرة تدور على جميع البيوت، زيادة على أربع برك في وسطه، إحداها رخام أبيض؛ ثم أمر له من الفُرُش النفيسة من أنواع الصوف والكتان والحرير والأديم وغيره بما يزيد على الوصف، ويأتي فوق النعت. وأجرى له ثلاثين دينارًا في كل يوم برسم الطعام وما ينفق عليه خاصة، خارجًا عما جلب إليه من الأدوية. وأقام فيه من الصيادلة لعمل الأشربة والأدهان والأكحال؛ وأعد فيه للمرضى ثياب ليل ونهار للنوم، من جهاز
الصيف والشتاء؛ فإذا نقه المريض فإن كان فقيرًا أمر له عند خروجه بمال يعيش به ريثما يستقل، وإن كان غنيًّا دفع إليه ماله وترك وسببه، ولم يقصره على الفقراء دون الأغنياء، بل كل من مرض بمراكش من غريب حمل إليه وعولج إلى أن يستريح أو يموت. وكان في كل جمعة بعد صلاته يركب ويدخله، يعود المرضى ويسأل عن أهل بيت أهل بيت، يقول: كيف حالكم؟ وكيف القَوَمة عليكم؟ إلى غير ذلك من السؤال، ثم يخرج؛ لم يزل مستمرًّا على هذا إلى أن مات ﵀.
مماليك الغُزِّ المصريون في المغرب
وفي أول ولايته -إما سنة أو ورد علينا البلاد الغز من مصر؛ وكان فيمن ورد علينا مملوك يسمى قَرَاقُش، ذكروا أنه كان مملوكًا لتقي الدين ابن أخي الملك الناصر، ورجل يسمى شعبان، ذكروا أنه من أمراء الغز، ومن أجناد المصريين رجل يعرف بالقاضي عماد الدين، في آخرين. فأحسن نزلهم، وبالغ في تكرمتهم، وجعل لهم مزية ظاهرة على الموحدين؛ وذلك أن الموحدين يأخذون الجامكية ثلاث مرات في كل سنة، في كل أربعة مرة؛ وجامكية الغز مستمرة في كل شهر لا تختل، وقال: الفرق بين هؤلاء وبين الموحدين أن هؤلاء غرباء لا شيء لهم في البلاد يرجعون إليه سوى هذه الجامكية، والموحدون لهم الأقطاع والأموال المتأصلة. هذا مع أنه أقطع أعيانهم أقطاعًا كأقطاع الموحدين أو أوسع؛ أقطع رجلًا منهم فيما أعرف، من أهل إربل، يعرف بـ أحمد الحاجب، مواضع ليس لأحد من قرابته مثلها؛ وأقطع شعبان المذكور بالأندلس قرى كثيرة تغل في كل سنة نحوًا من تسعة آلاف دينار، هذا خارجًا عن جامكيتهم الكثيرة التي ليس لأحد من الأجناد غيرهم مثلها.
ولم يرد المغرب من هذه الطائفة -أعني الغز- ألطف حسًّا ولا أزكى نفسًا ولا أحسن محاضرة ولا أطيب عشرة من شعبان هذا المذكور؛ ما لقيته إلا استنشدني أو أنشدني.
أنشدته يومًا لشاعر من أصحابنا من أهل إشبيلية:
وقائل: فِيمَ لم تهجع؟ فقلت له:كيف الهجوع لطرف نافر الوَسَنِ
لم تدر أن الكَرَى الممنوع عن بصريهي السِّنات التي في مقلتي حسنِ
فضحك وقال: لقد حوَّم هذا الشاعر وما ورد، ورفرف فما طار، وأراد غاية فوقع دونها؛ ولله من أثار هذا المعنى بأوجز لفظ وأسهل مأخذ وأيسر كلفة حيث يقول:
أعيدوا صباحي فهو عند الكواعبوردوا رُقادي فهو لَحْظ الحبائبِ
قلت: هو أبو الطيب. قال لي: نعم، هو الطيب أبو الطيب.
وأنشدته يومًا -وقد جرى ذكر التجنيس اللفظي، فأنشد هو منه وأكثر-:
إذا صال ذو ود بود صديقهفيا أيها الخِلُّ المصاحب لي صُلْ بِي
فإني مثل الماء لينًا لصاحبيوناهيك للأعداء من رجل صُلْبِ
فاستحسنهما وكتبهما عنده، وقال لي ﵀: لك علي بهذين البيتين حق؛ فما وافقني شيء من الشعر في هذا المعنى ولا في غيره ولا وقع مني موقعهما.
وفي الجملة كان له شغف بالآداب شديد، وكان يقرض شيئًا من الشعر، وربما ندرت له الأبيات الجيدة؛ سألته أن يكتب لي شيئًا من شعره أو ينشدنيه، فأبى علي كل الإباء، وحلف لا يفعل ...
أبو يوسف وعقيدة العامة في ابن تومرت
وخرج أمير المؤمنين أبو يوسف إلى تينمل للزيارة ومعه هؤلاء الغز المذكورون، فقعدوا تحت شجرة خروب مقابلة للمسجد؛ وقد كان ابن تومرت قال لأصحابه فيما قال لهم ووعدهم به: لِيُبصرن منكم من طالت حياته أمراء أهل مصر مستظلين بهذه الشجرة قاعدين تحتها! فلما جلس الغز على الصفة المتقدمة تحتها كان ذلك اليوم في
تينمل يومًا عظيمًا؛ اتصل التكبير من كل جهة، وجاء النساء يُوَلْوِلْنَ ويضربْنَ بالدفوف، ويقلْنَ ما معناه بلسانهم: صدق مولانا المهدي! نشهد أنه الإمام حقًّا!.
فأخبرني من رأى أمير المؤمنين أبا يوسف حين رأى ذلك يتبسم استخفافًا لعقولهن؛ لأنه لا يرى شيئًا من هذا كله، وكان لا يرى رأيهم في ابن تومرت؛ فالله أعلم.
أخبرني الشيخ الصالح أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن مطرف المري ونحن بحِجْر الكعبة قال: قال لي أمير المؤمنين أبو يوسف: يا أبا العباس، اشهد لي بين يدي الله ﷿ أني لا أقول بالعصمة -يعني عصمة ابن تومرت-. قال: وقال لي يومًا وقد استأذنته في فعل شيء يفتقر إلى وجود الإمام: يا أبا العباس، أين الإمام ...؟ أين الإمام ... ؟.
أخبرني شيخ ممن لقيته من أهل مدينة جيان من جزيرة الأندلس، يسمى أبا بكر بن هانئ، مشهور البيت هناك؛ لقيته وقد علت سنه فرويت عنه، قال لي: لما رجع أمير المؤمنين من غزوة الأرك -وهي التي أوقع فيها بالأدفنش وأصحابه- خرجنا نتلقاه؛ فقدمني أهل البلد لتكليمه، فرفعت إليه، فسألني عن أحوال البلد وأحوال قضاته وولاته وعماله -على ما جرت عادته- فلما فرغت من جوابه، سألني كيف حالي في نفسي؛ فتشكرت له ودعوت بطول بقائه؛ ثم قال لي: ما قرأت من العلم؟ قلت: قرأت تواليف الإمام -أعني ابن تومرت- فنظر إلي نظرة المغضب، وقال: ما هكذا يقول الطالب! إنما حكمك أن تقول: قرأت كتاب الله، وقرأت شيئًا من السنة؛ ثم بعد هذا قل ما شئت. في أضراب لهذه الحكايات لو أوردناها لطال بها هذا التلخيص.
النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع