تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

إذا اختل أمر القضاء في دولة اختل حالها

حدّثني أبو الحسين بن عيّاش، قال:

كان أوّل ما انحلّ من نظام سياسة الملك، فيما شاهدناه من أيّام بني العباس، القضاء، فإن ابن الفرات، وضع منه، وأدخل فيه قوما بالذمامات، لا علم لهم، ولا أبوّة فيهم، فما مضت إلا سنوات، حتى ابتدأت الوزارة تتّضع، ويتقلّدها كلّ من ليس لها بأهل، حتى بلغت في سنة نيّف وثلاثين وثلاثمائة، أن تقلّد وزارة المتّقي أبو العباس الأصبهانيّ الكاتب، وكان غاية في سقوط المروءة، والرقاعة.

ولقد استأذنت عليه يوما، فجاء البوّاب إليه، فقال: ابن عيّاش بالباب، فسمعته يقول له من وراء الستر: يدخل.

فقلت في نفسي: لا إله إلا الله، تبلغ الوزارة إلى هذا الحدّ في السقوط؟

وحتى كان يركب وليس بين يديه إلا ابن حدبنا صاحب الرّبع،

وحتى رأيت في شارع الخلد قردا معلّما، يجتمع الناس عليه.

فيقول له القرّاد: تشتهي أن تكون بزّازا؟

فيقول: نعم، ويومئ برأسه.

فيقول: تشتهي تكون عطّارا؟

فيقول: نعم، برأسه.

فيعدّد الصنائع عليه، فيومئ برأسه.

فيقول له في آخرها: تشتهي تكون وزيرا؟

فيومئ برأسه: لا، ويصيح، ويعدو من بين يدي القرّاد، فيضحك الناس.

قال: وتلى سقوط الوزارة، اتّضاع الخلافة، وبلغ صيّورها إلى ما نشاهد، فانحلّت دولة بني العباس، بانحلال أمر القضاء.

وكان أول وضع ابن الفرات من القضاء، تقليده إيّاه، أبا أميّة الأحوص الغلابيّ البصريّ، فإنّه كان بزّازا، فاستتر عنده ابن الفرات، وخرج من داره إلى الوزراة.

فقال له في حال الاستتار: إن وليت الوزارة، فأيّ شيء تحب أن أعمل بك؟

قال: تقلّدني شيئا من أعمال السلطان.

قال: ويحك، لا يجيء منك عامل، ولا أمير، ولا صاحب شرطة، ولا كاتب، ولا قائد، فأيّ شيء أقلّدك؟

قال: لا أدري، ما شئت.

قال: أقلّدك القضاء.

قال: قد رضيت.

فلما خرج، وولي الوزارة، وهب له، وأحسن إليه، وقلّده قضاء البصرة، وواسط، وسبع كور الأهواز.

وكان يداعبه، ويتلهّى به، ويسخر منه في أوقات استتاره عنده، وقبلها، ويمدّ يده إليه، فلمّا ولّاه القضاء، وقرّه عن ذلك.

ثم انحدر أبو أميّة إلى أعماله، فأراد أن يغطّي نقصه في نفسه، وقلّة علمه، ويصل ذلك بشيء يتجمّل به، فعفّ عن الأموال، فما أخذ شيئا، وتصوّن وتوقّر، واقتصر على الأرزاق، وصلات ابن الفرات الدارّة، فستر ذلك جميع عيوبه.

وتناوله الشعراء، فقال فيه القطرانيّ البصريّ: [ ط].

عبث الدهر بنا والدهر بالأحرار يعبث
من عذيري من زمانكل يوم هو أنكث
ما ظننّا أنّنا نبقىوأن نحيا ونلبث
فنرى الأحوص يقضيوأبا عيسى يحدّث

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.