تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

من محاسن الأحوص الغلابي القاضي بالبصرة

حدّثني أبو الحسين محمد بن عبيد الله بن محمد القاضي، المعروف بابن نصرويه، قال:

كنت أيّام أبي أميّة الغلابيّ، وتقلّده القضاء بالبصرة، حدثا، وكنت أجيئه مع خالي، وكان الحرّ عندنا بالبصرة إذ ذاك، شديدا مفرطا، أكثر من شدّته الآن.

وكان أبو أميّة يخرج في كلّ عشيّة من داره في مربّعة الأحنف، وعليه مئزر، وعلى ظهره رداء خفيف، وفي رجليه نعلان كنباتي ثخان، وبيده مروحة، وهو قاضي البصرة، والأبلّه، وكور دجلة، وكور الأهواز، وواسط، وأعمال ذلك، فيمشي حوله من يتّفق أن يكون في الوقت من غير تعمّل، حتى ينتهي إلى موضع حلقة أبي يحيى زكريا

الساجي، فيجلس إليه، وربما سبقه، وجاء أبو يحيى، وجلسا يتحدّثان، ويجتمع إليهما أترابهما، وإخوانهما القدماء، فيستعملون من التخالع والانبساط في الحديث، والمزح، ما ليس بقليل.

ويجيء سعيد الصفّار، وكان يخلف أبا أميّة على البصرة، بقلنسوة عظيمة، وقميص، وخفّ، وطيلسان، فيسلّم عليه بالقضاء، ويشاوره في الأمور، فيقول له: قم عنّي، لا يجتمع عليّ الناس، لا تقطعني عن لذّتي بمحادثة إخواني القدماء، قم إلى مجلسك.

فيقوم سعيد، فيجلس بالبعد منه في الجامع، في موضع برسمه، ينظر بين الناس.

وما كان ذاك يغضّ من قدره عند الناس، وكانت سيرته أحسن سيرة، واستعمل من العفّة عن الأموال، ما لم يعهد مثله.

وكان ديوان وقوف البصرة إذ ذاك ببغداد، فإذا أراد أحد أربابها شيئا، خرجوا إلى بغداد حتى يوردوا الأمر فيه من الحضرة، فلحق الناس مشقّة، فنقل أبو أميّة ديوانها إلى البصرة، فكثر الدعاء له، وصارت سنّة، وبقي الديوان بالبصرة.

وكان- مع هذا- يتيه على ابن كنداج، وهو أمير البصرة، ولا يركب إليه مرّة، إلا إذا جاءه ابن كنداج مرّة، ويعترض على ابن كنداج

في الأمور، ويسمع الظلامات فيه، وينفذ إليه في إنصاف المتظلّم، فيضجّ ابن كنداج من يده، ويكتب إلى ابن الفرات في أمره، فترد عليه الأجوبة بالصواعق، ويأمره بالسمع والطاعة، فيضطر إلى مداراته، والركوب إليه، وتلافيه.

فقبض على ابن الفرات، وأبو أميّة لا يعلم، وورد كتاب على الطائر- بذلك- إلى ابن كنداج، فركب بنفسه في عسكره إلى أبي أميّة، فقدّر أنّه قد جاء مسلّما، فخرج إليه، فقبض عليه، ومشّاه بين يديه، طول الطريق، إلى داره ببني نمير، حتى أدخله السجن، من تحت الخشبة فأقام فيه مدّة، ثم مات.

ولم يسمع بقاض أدخل السجن من تحت الخشبة غيره، ولا بقاض مات في السجن سواه.

ثم ولي ابن الفرات [ ط] الوزارة أيضا، فحين جلس، سأل عن أصحابه، وصنائعه، وسأل عن أبي أميّة، فعرّف ما جرى عليه، ووفاته، فاغتمّ لذلك.

وقال: فاتني بنفسه، فهل له ولد أقضي فيه حقّه؟

فقالوا: ابن رجل.

فكتب بحمله إليه مكرّما، فحمل.

فلما دخل عليه، وجد سلامه سلام متخلّف، فقال له: ما اسمك؟

قال أبو غشّان، وكانت لثغته كذا، ولم يفرّق لتخلّفه بين الاسم والكنية.

فقال ابن الفرات: عزيز عليّ أن لا أقضي حقّ أبي أميّة، في نفسه، ولا في ولده، كيف اقلّد هذا القضاء؟

فوصله بمال جزيل، وأمر بإجراء أرزاق عظيمة عليه، وصرفه إلى بلده، وكان يأخذها إلى أن زال أمر ابن الفرات.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.