من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
كيف أسر أبو فراس الحمداني
قال: وكان سيف الدولة، قلّده منبج وحرّان وأعمالهما، فجاءه خلق من الروم، فخرج إليهم في سبعين نفسا من غلمانه [ ط] وأصحابه، يقاتلهم، فنكأ فيهم، وقتل، وقدّر أنّ الناس يلحقونه، فما اتّبعوه، وحملت الروم بعددها عليه، فأسر.
فأقام في أيديهم أسيرا سنين، يكاتب سيف الدولة أن يفتديه بقوم كانوا عنده من عظماء الروم، منهم البطريق المعروف بأغورج، وابن أخت الملك، وغيرهما، فيأبى سيف الدولة ذلك، مع وجده عليه، ومكانه من قلبه، ويقول: لا أفدي ابن عمي خصوصا، وأدع باقي المسلمين، ولا يكون الفداء إلا عامّا للكافّة، والأيّام تتدافع.
إلى أن وقع الفداء قبيل موت سيف الدولة، في سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، فخرج فيه أبو فراس، ومحمد بن ناصر الدولة، لأنّه كان أسيرا في أيديهم، والقاضي أبو الهيثم عبد الرحمن بن القاضي أبي الحصين عليّ بن
عبد الملك، لأنّهم كانوا أسروه أيضا في حرّان، قبل ذلك بسنين، وخرج من المسلمين عدد عظيم.
قال: ولأبي فراس كلّ شيء حسن من الشعر، في معنى أسره.
فمن ذلك، أنّ كتب سيف الدولة تأخّرت عنه، وبلغه إنّ بعض الأسراء قال: إن ثقل هذا المال على الأمير سيف الدولة، كاتبنا فيه صاحب خراسان، فاتّهم أبا فراس بهذا القول، لأنّه كان ضمن للروم وقوع الفداء، وأداء ذلك المال العظيم، فقال سيف الدولة: ومن أين يعرفه أهل خراسان؟
فكتب إليه قصيدة أوّلها:
أسيف الهدى وقريع العربإلى م الجفاء وفيم الغضب
وما بال كتبك قد أصبحتتنكّبني مع هذي النّكب
وإنّك للجبل المشمخرّلي ولقومك بل للعرب
على تستفاد وعاف يفادوعزّ يشاد ونعمى تربّ
وما غضّ منّي هذا الأسارولكن خلصت خلوص الذهب
ففيم يقرّعني بالخمولمولى به نلت أعلى الرتب
أتنكر أنّي شكوت الزمانوأنّي عتبتك فيمن عتب
فالّا رجعت فأعتبتنيوصيّرت لي ولقولي الغلب
ولا تنسبنّ إليّ الخمولعليك أقمت فلم أغترب
وأصحبت منك فإن كان فضلوإن كان نقص فأنت السبب
وإنّ خراسان إن أنكرتعلاي فقد عرفتها حلب
ومن أين ينكرني الأبعدونأمن نقص جدّ أمن نقص أب
ألست وإيّاك من أسرةوبيني وبينك فوق النسب
وداد تناسب فيه الكراموتربية ومحلّ أشب
فلا تعدلنّ فداك ابن عمّكلا بل غلامك عمّا يجب
أكنت الحبيب وكنت القريبليالي أدعوك من عن كثب
فلمّا بعدت بدت جفوةولاح من الأمر ما لا أحب
فلو لم أكن بك ذا خبرةلقلت صديقك من لم يغب
وما شكّكتني فيك الخطوبولا غيّرتني عليك النّوب
وأشكر ما كنت في صحبتيوأحلم ما كنت عند الغضب
قال الببغاء: وله في صفة أسره، وعلل لحقته هناك، ومراث لنفسه في الأسر، وتعطّف لسيف الدولة، وصفة الأسر، وما لحقه فيه، شعر كثير، حسن أكثره، بمعان مخترعة، لم يسبق إليها.
ونحن نورد ما نختاره من ذلك، بعد هذا إن شاء الله تعالى.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع