من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
الوزير ابن مقلة وأبو أحمد الفضل الشيرازي الكاتب
حدّثني أبو محمد يحيى بن محمد بن سليمان بن فهد الأزدي، قال:
حدّثني أبو أحمد الفضل بن عبد الرحمن بن جعفر الشيرازيّ الكاتب، قال:
كنت أكتب بين يدي أبي علي بن مقلة، وهو وزير، وكانت حالي صغيرة، وكنت أستحلي قينة كنت أنفق جميع ما أكسبه عليها.
وكان أبو عليّ يعرف ذلك من خبري، فيخصّني بالأعمال التي تكسب المنافع، وإذا أراد كتب عهد [ ط] لعامل، أو إجابة صاحب طرف، لم يعدل بذلك عنّي، فأنتفع بالمائتي دينار، والثلاثمائة، والأكثر، والأقلّ، ولا أبقي شيئا.
قال: فكان من ذلك، أنّ كتاب ملك جرزان، ورد عليه، فرمى به إليّ، وأمرني بالإجابة عنه.
فجاءني موصله، يتنجّز الجواب، وحمل إليّ مائتي دينار، وثياب ديباج، وغير ذلك.
فأجبته جوابا جميلا، وأخذت ذلك فأنفقته كلّه على المغنّية.
واصبحت بعد أيّام، وهي عندي، وليس معي ما أجذرها به في يومي ذلك، وأنا قلق من انصرافها، ولا حيلة لي في إسلامها، حتى جاءني غلامي، فقال لي: إنّ صاحب جرزان على الباب.
فتثاقلت به، وقلت: لم يبق شيء أتوقّعه منه، وقد كتبت كتبه، وأنا متشاغل بحيلة ما أجذر هذه اليوم، فاحجبه عني.
قال: فخرج وعاد وقال: قد أعطاني عشرة دراهم، وسألني إيصاله إليك.
قال: فطمعت فيه، وقلت: إذا أعطى غلامي عشرة دراهم، فالأمر يحتمل أن يصل إليّ، هاته.
قال: فدخل، وأخرج الكتاب، وقال: يا سيّدي، كانت العادة، إذا عنون الكتاب إلى صاحبي، وقيل: لأبي فلان بن فلان، أن يقال بعد ذلك: ملك جرزان، ولم يقل هذا، وفيه عليه غضّ في عمله، فحلق ذلك.
قال: فقلت هذا لا يجوز إلّا بأمر من الوزير، وهذا أمر عظيم، وإذا قيل ذلك فكأنّما قد أزلنا ملك السلطان عن ذلك الصقع، وأخذت أهوّل الأمر، وأفخّمه، بقدر طاقتي.
فقال: يا سيّدي، لا زمان عليّ في مساءلة الوزير، لأنّي أريد الخروج اليوم مع القافلة، فخذ مني ما شئت، واكتب لي.
قال: فزاد طمعي فيه، وقلت: هذا أمر لا يمكن للوزير فعله، إلّا بأمر الخليفة.
قال: فما زلت معه في ألوان، إلى أن دفع لي في الحال، ثلاثمائة دينار عينا.
فقلت: على شريطة أن لا يرى الكتاب أحد معك، ولا تقم اليوم ببغداد.
قال: فشار طني على ذلك.
فكتبت إلى جانب العنوان «ملك جرزان» فقط، وأخذت الدنانير وانصرف الرجل، ولم أدع الجارية تبرح ومعي شيء من الدنانير.
قال: ثم دخلت إلى أبي عليّ. بعد ذلك بأيّام، فرمى إليّ كتبا، وقال:
اكتب لصاحبها عهدا على أعماله بتستر.
قال: فجاءني الرجل، وحمل إليّ مائتي دينار، وثلاثة أثواب تسترية، وعمامة منها، فكتبت عهده، وقطعت الثياب، وكنت أنفق من تلك الدنانير.
قال: وكان بين أبي عليّ، وبين أبي العبّاس الخصيبيّ، من العداء والمشاحة على الوزارة، ما عرفه الناس، وكانت لأبي العبّاس عليّ، حقوق، ورياسة قديمة، فكنت أحبّ لقاءه، وأخاف من أجل الوزير، فكنت ربّما مضيت إليه في الأيّام سرّا، واعتذرت من تقصيري باتّصالي بالوزير، فيعذرني.
فاتّفق أنّي مضيت إليه يوما سحرا، في تلك الثياب الجدد، وعدت إلى دار الوزير، فلما صرت في الحجرة [ ط] التي كان فيها، وجدته
وأبا الحسين ابنه، مختليين، وفي ناحية من الدار جماعة من الكتاب جلوس، منهم أبو جعفر بن شيرزاد، وأبو محمد المادرائي، وأبو علي الحسن بن هارون، وغيرهم.
فعدلت لأجلس مع الجماعة، فلمّا رآني الوزير، صاح: تعال، بحرد.
قال: فقمت فزعا، أن يكون الخبر بلقائي الخصيبيّ، قد رقي إليه، فجئته، فأسرّ إلى أبي الحسين، بشيء في أمري، لا أدري ما هو، ثم ضحك وقال: اجلس، فلما ضحك، سكنت نفسي، وجلست.
فقال: اليوم يوم سبت، والهوا طيّب، فما ترى في ترك العمل والصّبوح؟
فقلت: هذا والله عين الرأي، وحقيقة الصواب، ونفس الواجب، وما لا يجوز العدول عنه، ولا الخروج منه، ولا التأخّر عن فعله، وأخذت أصف طيب الصبوح، وأروي ما حضرني فيه، في الحال.
قال: فقال لحاجبه: قل لأصحابنا، يمضون إلى الديوان، وينظر كلّ
واحد في أمره، وما إليه، وأخل دار العامة، ولا تستأذن عليّ لأحد، حتى أتشاغل بالصبوح.
ثم دعا الفراشين، فأمرهم بفرش حجرة كان يستطيبها، وقال:
أريد أن تكون في نهاية الضياء، من غير أن يسقط فيها خرم إبرة شمس.
فقام فلم تكن إلّا ساعة، حتى جلس فيها، فأكلنا معه، ونفسي متطلّعة إلى ما جرى.
فلما نهضنا لغسل أيدينا، سألت أبا الحسين عن ذلك، فقال: إنّ الوزير لما رآك، قال: هذا الرجل يخدمنا، ويختصّ بنا، وواجب الحقّ علينا، وهو يعشق مغنّية لعلّ ثمنها شيء يسير، ويتلف كلّ ما يكسبه عليها، ولا نشتريها له؟ أيّ شيء أقبح من هذا؟
قال: فقلت له- وكنت أعرف في أبي الحسين شدّة- فأيّ شيء قلت له يا سيّدي؟
قال: قد قوّيت رأيه.
قلت: لا يقنعني هذا والله، أريد أن تتجرّد، وتصمّم، وتذكّره، ولا تدعه أو يتنجّز لي ثمنها اليوم.
فقال: أفعل.
وقام أبو الحسين لينام، فلم يحملني أنا النوم، وقعدت، فعملت أبياتا في الوزير، أشكره على هذا الرأي، وأتنجّز الوعد، وحرّرتها بأحسن ما قدرت عليه من خطّي.
فلما جلسنا للشرب، وشرب الوزير أقداحا، رميت إلى أبي الحسن ابن هارون بن المنجم، بالرقعة، وكانت له عادة عندي في التعصّب لشعري، والمدح لي عند الوزير، لنفاقه عليه، واختصاصه به، من بين ندمائه.
فأخذ أبو الحسن الرقعة، فأنشد منها الشعر، وأتبع ذلك بوصفها وتقريظها، وتبعه الجماعة، واستحسن الوزير ذلك، فأخذ الرقعة، فقطع بالسكّين سحاة عريضة منها، فكتب في رأسها شيئا، ودفعه إلى أبي الحسين، فكتب فيها شيئا، ثم أخذها الوزير، فلفّها شديدا حتى صارت كالزرّ، ورمى بها، فإذا هي في حجري، ففتحتها، فإذا فيها: ندى الخادم، عشرة آلاف درهم، وبخط أبي الحسين: فلان الجهبذ خمسة آلاف درهم.
قال: فجئت لأنهض، فأشكره، وأقبّل يده، فأومأ إليّ [ ط] بإصبعه، أن اسكت، ووضعها على فيه، فسكتّ، وشربنا إلى أن حضرت المغرب، وقام الوزير ليصلّي، وقمنا.
قال: فاستدعاني، فقال: أخذت المال؟
فقلت: لا.
فقال: إنّا لله، ظننتك أفره من هذا، إذا قال لك السلطان، هات لأعرف لك، فابسط حجرك، ولا تنتظر غضارة، إن صرفني الخليفة الليلة عن الوزارة، كيف تصل أنت إلى المال؟ إن متّ؟ إن كان كذا؟
فقلت: حاشاك يا سيّدي، لعن الله هذه الدراهم، مع هذا القول، يبقيك الله ألف سنة.
فقال: دع ذا عنك، ثم نادى الخادم، فجاء، فقال: خذ هذه الرقعة، وأحضر المال الساعة، قبل أن أتمّم الصلاة.
قال: فأخذها الخادم ودخل هو في الصلاة، ودخلنا نحن، فو الله،
ما تمّمنا صلاتنا، حتى حضر المال، ولم يكن معي غلام يحمله، إلّا صبيّ بحمل دواتي، ولا يطيق ذلك.
قال: فالتفتّ إلى بدعة الصغيرة، وكانت في المجلس، وكان بيني وبينها ودّ، وهي تتعصّب لي، فقلت: يا ستّي، أعيريني بعض خدمك، يحمل هذا المال معي، إلى داري، فإنّ غلامي لا يطيقه.
قال: وكانت بدعة الحمدونية، إذا حضرت المواضع، معها عدّة جوار وخدم وفرّاشين.
قال: فدفعت إليّ غلامها، وكان مقدّما عندها، فسلّمت إليه المال، فحفظه، حتى أدّاه إلى منزلي.
فاستدعيت مولاة الجارية، وبذلته لها في ثمنها، فقالت: لا أبيعها إلّا بثلاثين ألفا، فاستقبحت إعلام الوزير بالصورة، وتاقت نفسي إلى نفقة المال، فأسلفتها منه للجذور، خمسة آلاف درهم، وأنفقت الباقي عليها في مدّة يسيرة.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع