من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
بين أبي عمر القاضي وأبي عصمة الخطيب
حدّثني أبو الحسين عبد الله بن أحمد بن عيّاش، وأبو جعفر طلحة بن عبيد الله بن قناش الطائي الجوهري البغدادي، وجمعت خبريهما، قالا:
كان أبو عصمة العكبريّ الخطيب، غالبا على أبي القاسم بن الحواري، وكانت منزلته في الطيبة مشهورة، قال، فحدّثنا:
أنّ أبا عمر خطب لابن رائق الكبير، على ابنة قيصر الكبرى، فأطال وأبلغ، وكان يوما حارّا.
فلما انقضت الخطبة، قيل له: اخطب على البنت الأخرى، للابن الآخر.
فكره الإطالة، لئلا يضجر الخليفة، وأراد التقرّب إليه، فحمد الله سبحانه بكلمتين، ثم قرأ آية من القرآن، وعقد النكاح.
فنهض المقتدر مبادرا لشدّة الحرّ، ووقع ذلك عنده ألطف موقع لأبي عمر.
قال: فعاد ابن الحواري إلى داره، وجئت، فجلست عنده أحادثه، وأتطايب له، وأغمز رجله.
فقال: جرى اليوم لأبي عمر القاضي كلّ جميل، ووصفه الخليفة، وقرّظه، واستحسن إطالته في الخطبة الأولى، وإيجازه في الثانية، وقال:
مثل هذا الرجل، وفيه هذا الفضل، لم لا نزيد في الإحسان إليه؟ فقرّرت مع الخليفة، بأن يزيده في أرزاقه وأعماله، كذا وكذا، فأمرني بتنجيز ذلك له من الوزير.
قال: وكان ابن الحواري، صديقا لأبي عمر.
فلما سمعت ذلك، دعتني نفسي إلى أن أستبق بالخبر، إلى أبي عمر، لأستحقّ البشارة، وأتقرّب إليه.
وطال عليّ الوقت، حتى نام أبو القاسم، فركبت دابّتي، وجئت إلى أبي عمر، فأنكر مجيئي ذلك الوقت [ ط]، وعلم أنّه لمهمّ، فأوصلني، فجلست، وهنّأته، وحدّثته بالحديث على شرحه.
فقال أبو عمر: أطال الله بقاء أمير المؤمنين، وأحسن الله جزاء أبي القاسم، ولا عدمتك.
فاستقللت شكره، وولّد لي فكرا، مع ما بان لي في وجهه من التعجّب منّي.
فلمّا خرجت ندمت ندما شديدا، وقلت: سرّ السلطان، أفشاه إلى رجل عنده فوق الوزير، فباح ذلك الرجل به بحضرتي وحدي، لا يسرّه
عنّي، ولعلّه هو، أراد أن يعتدّ به على أبي عمر، بادرت أنا بإخراجه، إن راح أبو عمر فشكره على ذلك، أو ذاكره به، فعلم أنّ ذلك من فعلي، بأيّ صورة يتصورني؟ أليس يراني بصورة من خرج بسرّ؟ وإخراج السرّ، في الخير والشرّ، والفرح والغم، والجيّد والرديء، واحد؟
وإن أدّاه ذلك إلى استثقالي واحتشامي، أليس في هذا انتقاص معيشتي وخيري؟ ثم إن حجبني عنه، من يوصلني إليه؟ ومن يرغب في استخدامي بعده أو يدخلني داره؟ أو ليس ينتشر في البلد، إنّه طردني، لأنّني أفشيت له سرّا، لا يدرى ما هو.
ليس إلّا أن أرجع إلى أبي عمر، فأسأله كتمان ذلك.
قال: فرجعت من حيث قدّمت لي دابتي، ولم أركب.
فحين وقع ناظر أبي عمر عليّ، قال لي: يا أبا عصمة، ولا حرف، ولا حرف.
قال: فكأنّه حسب ما حسبته لنفسي، وعلم ما علمته، ممّا طرأ عليّ، فلمّا رآني قد استدركت ذلك، علم أنّي ما رجعت إلّا لأسأله كتمان هذا، فبدأني بما قاله. فشكرته وانصرفت، ولم أجلس.
وقد أخبرني أبو الحسين بن عيّاش ﵀، بهذا الخبر، عن أبي عصمة، ولم يذكر فيه حديث الخطبة، ولا أي شيء كان السرّ، وهذا الحديث أشرح، فأوردته هكذا.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع