تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

كفى بالأجل حارسا (٢)

حدّثني إبراهيم بن الخضر، وكان أحد أمناء القضاة ببغداد، قال:

حدّثني صديق لي أثق به، قال:

خرجت إلى الحائر، فرأيت رجلا، فرافقته في الطريق، ولم أكن أعرفه، وكان ذلك في أيّام الحنابلة، ونحن نزور متخفّين.

فلما صرنا في أجمة بانقيا، قال لي رفيقي: يا فلان، إنّ نفسي تحدّثني أنّ السبع يخرج الساعة فيفرسني دونك، إن كان ذلك، فخذ حماري، وقماشي، فأدّه إلى منزلي، في موضع كذا وكذا، وعرّفهم خبري.

قال: فقلت: ما يكون إلّا خيرا وسلامة.

فما استتم الكلام، حتى خرج سبع، فحين رآه الرجل، سقط، وأخذ يتشهّد، وقصده السبع، فما كذب أن أخذه، وجرّه عن الحمار.

فسقت أنا الحمار، مع ما عليه، وأسرعت حتى خرجت، ولحقت بالقرية، وعجبت من حدسه على نفسه، وصدق ظنّه، ولحقني غمّ لفراقه، وما جرى عليه.

ورجعت إلى بغداد، فحين دخلت، لم تكن لي همّة، حتى استوصفت الموضع، وقصدته، فدققت الباب، أسأل عنه، فقلت لمن فيه: خذوا قماش صاحبكم، ﵀.

قالوا: قد خرج الساعة في حاجة له، وهو حيّ والحمد لله، فلم أشكّ في أنّي غلطت، فقلت: من هو؟ قالوا: فلان، اسمه.

فزاد تعجّبي، فجلست، فما أطلت، حتى طلع عليّ، فحين رأيته طار عقلي جزعا، وفرحا، وتشكّكا، فقلت: حديثك.

قال: إنّ السبع ساعة جرّني، وأدخلني الأجمة، هزّني، وسحبني، فأنا لا أعقل.

ثم سمعت صوت شيء، فإذا بخنزير عظيم قد خرج، فحين رآه السبع، تركني، وقصد الخنزير، فدقّه، وأقبل يأكله، وأنا أراه، ومعي بقيّة من عقلي.

فلما أن فرغ منه، خرج من الأجمة، وتركني، وقد جرح فخذي جراحة خفيفة.

فقمت، فوجدتني أطيق المشي، فأقبلت أمشي في الأجمة، أطلب الطريق، فإذا بجيف ناس، وبقر، وغنم، وغير ذلك، منها ما قد صار عظاما بالية، ومنها ما هو طريّ.

فانتهيت إلى خرق متمعطة، ومخالي للفيوج مطروحة، فسوّلت لي نفسي تفتيش ذلك.

ثم وقفت على شيء مكوّر، فإذا هو هميان، ففتحته، فإذا فيه ألف دينار صفر، فأخذتها، ولم أفتّش الباقي، وخرجت، فما عرّجت، وعدت إلى منزلي، فسبقتك.

قال: وأخرج الدنانير، فأراني إياها، وكشف عن الجراحة، [ ط] فسلّمت إليه متاعه، وافترقنا.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.