من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
كتاب من يحيى بن فهد الأزدي للأمير أبي تغلب بن حمدان
كتب أبو محمد يحيى بن محمد بن سليمان بن فهد الأزدي، إلى الأمير أبي تغلب فضل الله بن ناصر الدولة، عند اعتقاله أخاه أبا الفوارس محمد، لخوفه منه، وحمله إيّاه إلى القلعة مقيّدا، وحبسه فيها، وذلك في شعبان سنة ستين وثلاثمائة، في الليلة الثامنة منه.
وكتب أبو محمّد ذلك، لمّا بلغه الخبر، بمحضر منّا، كالارتجال، بغير فكر طويل، ولا تعمّل شديد، نسخته:
من اختاره الله تعالى لجليل الأمور، واصطفاه لحراسة الأمّة وحماية الثغور، وخصّه بنفاذ الرأي فيما يحلّه ويعقده، ونصره على كلّ عدوّ يرصده، وكفاه كيد من يبغي عليه ويحسده، وقرن عزماته بالصواب في جميع ما يمضيه، وبلّغه في الدنيا ما يرتجيه، وجعل ما يبرمه مطّردا على التوفيق، وذاهبا مع السداد في أجمل طريق. معونة له على ما أسنده- جل ذكره- إليه، وحفظا للملّة وذبّا عنها على يديه، لا سيّما إذا كان مقدّما لتقوى الله سبحانه، في سائر أفعاله، مؤثرا لرضاه تعالى، في جميع أحواله، غير خارج عن حدوده في تدبير، ولا ناكث عن صراطه في صغير ولا كبير.
والحمد لله الذي خصّ مولانا الأمير السيّد، أطال الله بقاءه، من هذه الأوصاف الشريفة، والأخلاق المنيفة، بما فضّله به على ملوك الزمان، وأنطق بذكره وشكره كل لسان، وجعل القلوب كلها، شاهدة به، والآراء على اختلافها، متفقة عليه.
والحمد لله الذي جعل تدبيراته جارية على الصواب، ماضية على سنن الكتاب، محروسة من عيب كل عائب، ثاقبة كالنجم الثاقب، الذي لا يدفع علوّه دافع، ولا ينازع في سموّه منازع.
وإيّاه نسأل، كافّة أوليائه، وخدم دولته، وإليه أرغب، الرغبة التامة من بينهم، في إيزاعه الشكر على ما أولاه، وإلهامه حمده، تقدست أسماؤه، على ما خوّله وأعطاه، وأن يديم له شأنه وتسديده، ويصل بالحق وعده ووعيده، ويحسن من كل نعمة وموهبة، حظّه ومزيده، ويجعل قوله مبرورا، وعدوّه مقهورا، وفعله مشكورا، وقلبه مسرورا، ولا يخليه من جدّ سعيد، إنّه ولي حميد، فعّال لما يريد.
وورد الخبر، بما جرى من الاستظهار على من شكّ في مناصحته ووفائه، وظهر في الدولة سوء رأيه، بعقب تتابع الأنباء، بما كان أضمره من الغدر، وأضبّ عليه من قبح الأمرة، وبما بان منه من إعمال الحيلة على ثلم المملكة، والسعي في تفريق الكلمة، وإفساد البلاد، وإخافة العباد، ولم يصادف وروده، إلّا مستبشرا [ ط مكرر] به، مستنصبا له، عالما بجميل صنع الله- ﷿ في وقوعه، شاكرا له على ما أبلاه، وأولاه من المعونة عليه، عارفا بأن مولانا الأمير- أدام الله تأييده- لم يأمر به، وما وجد سبيلا إلى الصلاح، إلّا سلكها، ولا ترك سبيلا إلى الاستصلاح إلّا ركبها، فلم يزده ذلك إلّا تماديا في العصيان وغيّا، ومرورا في ميدان البغي وبغيا يحسن به العدول عن صلة الرحم، بحكم الله ﷿، إذ جعل البغي في كتابه،
محلّا للإخلال بحق النسب، حيث يقول، وهو أحسن القائلين إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
فبيّن سبحانه: إنّ الفحشاء ضدّ للعدل، والمنكر مسقط للإحسان، والبغي موجب لقطع القرابة، وأوجب تبارك اسمه، لمولانا الأمير- أدام الله عزّه- النّصر على الباغي، بقوله عزّ من قائل، ومن بغي عليه لينصرنّه الله.
على أنّ الذي أتاه مولانا، أطال الله بقاءه، في بابه، لمواصلة الرحم أقرب، ولأسبابها ألزم وأوجب، إذ حال بينه وبين ما يؤثمه ويرديه، وصدفه عمّا كان يفسد دينه ودنياه بالإيغال فيه، ولم ينقله بذلك، إلّا إلى عيش رغد، وأمر تامّ، ونعمة دارّة، وحال سارّة.
والله يكافىء مولانا الأمير السيّد أطال الله بقاءه على قدر نيّته، ويجازيه بجميل طويته، ويبلّغه من الدنيا بحسب حفظه فيها للدين، ويكبت أعداءه بذبّه عن المسلمين، ويهنّيه بنعمه عليه، ويمتّعه بمواهبه لديه، ويرغم أعداه، ويحمده بدء كلّ أمر وعقباه، إنّه جواد كريم، سميع مجيب.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع