تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

الوزير ابن مقلة يهدي لكاتبه عطرا وشرابا ومالا

حدّثني أبو محمد أيضا، قال: حدّثني أبو أحمد أيضا، قال:

غدوت في بعض الأيّام إلى حضرة الوزير أبي عليّ بن مقلة، وأنا في بقية خمار، وقد خلّفت في داري هذه الجارية.

فلما مضى من النهار ساعتان، عنّ للوزير قطع العمل، والتشاغل بالشرب.

فقطعت من رأس الدرج، قطعة، وكتبت فيها إلى أخي، آمره باحتباس الجارية، وبإعداد أشياء رسمتها له، وأعلمته أنّني على أثر الرقعة، مع تشاغل الوزير بالأكل، وعملت على الاحتجاج للوزير بالخمار، والوزير يلحظ ما أكتبه، ويقرؤه، وأنا لا أعلم.

وسلّمت الرقعة إلى غلامي، ومضى بها إلى منزلي.

فلم يكن بأسرع من أن نهض الوزير، واستدعى المائدة، وأمرني بالأكل معه، فامتنعت، واحتججت بعظم الخمار، وأنّني لا أقدر على شمّ الطعام، فضلا عن أكله.

فألحّ علي، فألححت في الامتناع.

فاستدعى عملا كان بين يديه، وأخرج منه عدّة كتب، وآمرني بالانفراد، والإجابة عنها.

فورد عليّ من ذلك ما أقلقني، ولم أعلم غرضه، ولا أنّه يستدعيني إلى الطعام، ويشير عليّ بالدخول معه في ذلك الأمر، وتأخير الكتابة إلى غد، وأنا مقيم على شكوى الخمار، وتعذّر الأكل عليّ.

إلى أن فرغت من الكتب، وقد توسّط [ ط] أكله، وجئت بها مقدّرا أنّه يأذن لي في الانصراف.

فقال: قد تبقّى من مدّة أكلنا، ما تبلغ به وطرك من الطعام، فاستخر الله، وساعدنا.

فأقمت على الامتناع.

فاستدعى عملا ثانيا، وأخرج منه عدّة كتب أخر، وقال لي: إذا كنت غير داخل معنا في أمرنا، فأجب عن هذه أيضا.

فورد عليّ أعظم من الأوّل، وانفردت للإجابة، إلى أن فرغت منها، مع فراغه من الأكل.

وجئت بالكتب فعرضتها عليه، وأنا لا أشكّ في الانصراف.

فقال لي: لست أشكّ في تصرّم خمارك، فاستدع ما تأكله، والحق بنا.

فأقمت على الامتناع.

فاستدعى عملا ثالثا، ليشغلني بشيء، وتبسّم.

فقلت له: ما هذه الحاجة الداعية إلى اتّصال العمل علي في هذا اليوم.

فقال: قد قرأت رقعتك إلى أخيك، من ظهرها.

فعرفت من حيث أتيت، فضحك، وضحكت.

وأمر بإحضار مائتي دينار، وعشرين دنّا من الشراب العتيق، وسلّم

ذلك إلى غلامي، ثم أمر بإحضار صندوق صغير له، فيه طبب، فقدّم إلى حضرته، ومنديل دبيقيّ، وجعل فيه من الصندوق، من الندّ كفا، ومن العود المقليّ كفّا، وكذلك من الكافور والمسك، مثل ذلك، واستدعى قدحا، فجعل فيه أواق غالية، ووضعه في المنديل، وختمه بخاتمه.

وقال: إمض، فأنفق هذه الدنانير، واشرب الشراب، وتبخّر بهذا البخور.

فأخذت جميع ذلك، وانصرفت.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.