من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
الخليفة القاهر يعذب أم المقتدر ويضطرها لبيع أملاكها
حدّثني أبو الحسين بن عيّاش، قال: حدّثني عمي أبو محمد، قال:
أنفذني أبو الحسين بن أبي عمر القاضي، وابن حباب الجوهري، إلى القاهر، وكان قد طلب منه شاهدين، ليشهدا على أمّ المقتدر، بتوكيلها، في بيع أملاكها.
قال: فصرنا إلى دار الخلافة، واستؤذن لنا، فدخلنا إلى القاهر، وهو جالس في صحن كبير، عند باب ممدود عليه ستارة ديباج، وسبنيّة، على كرسيّ حديد، وفي يده حربة يقلّبها، وخدمه قيام على رأسه.
فسلّمنا عليه، ووقفنا.
ودفع إلينا أحد الخدم، كتابا أوّله: أقرّت شغب، مولاة أمير المؤمنين المعتضد صلوات الله عليه، أم جعفر المقتدر رحمة الله عليه.
فوقفنا عليه، فإذا هو وكالة ببيع أملاكها، في سائر النواحي.
فقلنا للخادم: فأين هي؟
قال: وراء الباب.
فاستأذنّا الخليفة في خطابها، فقال: افعلا.
فقلنا: أنت عافاك الله هاهنا، حتى نقرأ عليك؟
فقالت: نعم.
فقرأنا عليها الكتاب وقرّرناها، ثم توقّفنا عن كتب الشهادة، فأومأ بعضنا إلى بعض، كيف نعمل في رؤيتها؟ وإلّا لم يمكنّا إقامة الشهادة، وهبنا الخليفة.
فقال: ما لكم تتآمرون؟
فقلنا: يا أمير المؤمنين، هذه شهادة، نحتاج أن نقيمها عند قاض من قضاة أمير المؤمنين؟
فقال: نعم.
قلنا: فإنها لا تصحّ لنا دون أن نرى المرأة بأعيننا، ونعرفها بعينها واسمها، وما تنسب إليه.
فقال: افعلوا.
قال: فسمعت من وراء الستارة، بكاء، ونحيبا، ورفعت الستارة.
فقلت لها: أنت شغب، مولاة أمير المؤمنين المعتضد بالله صلوات الله عليه، أمّ جعفر المقتدر رحمة الله عليه.
قال: فبكت ساعة، ثم قالت: نعم.
فقرّرناها على ما في الكتاب، وأسبل السّتر، فتوقّفنا عن الشهادة.
فقال القاهر بضجر: فأي شيء بقي؟
فقلنا: يعرّفنا أمير المؤمنين إنّها هي.
فقال نعم، هذه شغب، مولاة أبي المعتضد بالله، أمير المؤمنين، وأمّ أخي جعفر المقتدر بالله، ونهض.
فأوقعنا خطوطنا في الكتاب، وانصرفنا.
قال: ولمّا رأيتها، وجدتها امرأة عجوزا، دقيقة الوجه والمحاسن [ ط]، سمراء اللون إلى البياض والصفرة، عليها أثر ضرّ شديد، وثياب غير فاخرة».
فما انتفعنا بأنفسنا ذلك اليوم، فكرا في تقلّب الزمان، وتصرّف الحدثان.
وجئنا، فأقمنا الشهادة، عند أبي الحسين القاضي.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع