من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
يقتلون شيخا حسن الشيبة ثم يظهر أنه خناق
حدّثني أبو جعفر، أصبغ بن أحمد الكاتب، شيخ خدم قديما الصيمريّ، وحجب أبا محمد المهلبي، وهو إذ ذاك يخلف أبا جعفر الصيمري على الأمور كلّها، فلما ولي أبو محمد الوزارة، صرفه عن حجبته، وصرّفه فيما يتصرّف فيه المستخرجون والمستحثّون، قال:
حدّثني بعض غلمان بجكم، قال: أنفذني إلى الأنبار، في جماعة غلمان، لقتل قوم كانوا محبّسين من الأعراب، وأمرنا بحمل رؤوسهم إليه، وكتب لنا في ذلك.
فجئنا إلى العامل، فأوصلنا إليه الكتاب، فسلّم القوم إلينا، فضربنا أعناقهم، وقطعنا رؤوسهم.
وأقمنا ليلتنا هناك، وبكّرنا، والرؤوس في مخالي دوابّنا، مسمّطة عليها، ونحن نريد بغداد.
وكنّا عشرة غلمان، والمقتّلين عشرة.
فلما صرنا في بعض الطريق، وحمي النهار، أوينا إلى قرية خراب، وجلسنا نأكل، والمخالي بين أيدينا، فيها الرؤوس، قد نحّيناها عن الدواب، وتركنا الدواب ترعى.
فلما فرغنا من أكلنا، قمنا إلى المخالي، فافتقدنا من الرؤوس التي فيها واحدا، فقامت قيامتنا، وقلنا نحن مقتولون به، سيقول لنا بجكم:
أخذتم منه مالا، وتركتموه، كيف نعمل؟
فأجمع رأينا على أن نخرج إلى تلك الصحراء، فنعترض رجلا كائنا من كان أوّل ما نلقاه، فنقتله، ونجعل رأسه في المخلاة، بدلا من الذي ضاع، ونسير.
فخرجنا على هذا، فأوّل من استقبلنا، رجل شيخ، حسن الشيبة والثياب، له سجّادة وسمت، وهو راكب حمارا، عليه خرج مثقل، وهو يسير.
فأوقعنا به وقتلناه، بعد أن تذمّمنا من قتله، مع ما رأيناه عليه، إلّا أنّا خفنا أن ينتشر الناس في الطريق، فلا يمكنّا قتل أحد، ونكون نحن المقتّلين.
فقتلنا الرجل، وقطعنا رأسه، وجئنا لنجعله في المخلاة، فإذا نحن برأس ملقى بين أرجل الدواب، فشككنا فيه، وعددنا الرؤوس، فإذا هي أحد عشر.
فشككنا، حتى أخذ كل واحد منا رأسا، وبقي في الأرض رأس واحد فاضلا.
فقامت قيامتنا، ولطمنا، وقلنا: قتلنا رجلا مسلما بغير سبب، وشقّ ذلك علينا.
وكان معنا شيخ من الغلمان، جار، فقال: يا قوم، إنّكم ما سلّطتم على هذا الشيخ، إلّا وله عند الله سريرة سوء، ففتّشوا رحله، لعلّكم تستدلّون على ما يزول به غمّنا في قتله.
فقمنا إلى رحله، فحططنا الخرج عنه، وفتحناه، فأوّل شيء خرج علينا، هو بكرة، ثم تلا ذلك، ثياب ملوّثة بالدم وبالغائط.
وتوالت الأدلّة علينا، فإذا هو خنّاق شدّاخ.
فحمدنا الله تعالى على [ ط] ما سلّمنا من قتل من لا يستحق القتل.
وتقاسمنا قماشه، ودفنّا رأسه في الطريق.
وجئنا فسلّمنا العشرة الرؤوس إلى بجكم.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع