تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

القاضي أبو عمر وحسن تصرفه ووفور عقله

حدّثني القاضي أبو الحسن محمد بن عبد الواحد الهاشميّ، قال:

ركبت مع القاضي أبي عمر، في يوم موكب، في طيّاره، إلى دار المقتدر.

فصعد هو وابنه، وجلست أنا والجماعة، في الطيّار، ننتظر رجوعه.

فرأيت جماعة من الخدم، وقد وقفوا له، يشتمونه بأقبح لفظ، ويقولون له:

يا ظالم، يا مرتشي، وهو مطرق إلى الأرض، يمشي إلى أن دخل الدار.

فهالني إقدامهم عليه، وقبح الصورة، وقلت في نفسي: إن لم يكن هذا الفساد برأي الخليفة، وإلا فيجب أن يشتكي إليه منهم الساعة، حتى يؤدّبوا.

فلمّا عاد، خاطبه أولئك الخدم، بأقبح من الخطاب الأول، فعلمت أنّه ما شكاهم، ولم أقدم على مخاطبته في ذلك، لعظم هيبته، وافترقنا.

فلما كان عشيّ ذلك اليوم، عدت إليه، وهو متخلّ، وقد استدعى

بعض أصحابه، ودفع إليه تخوت ثياب فاخرة، وطيبا، وأشياء قيمتها خمسمائة دينار، وأمره بحملها إلى خادم كان رئيس أولئك الخدم الذين سبّوه غدوة.

وقال له: إقره السلام، وقل له كنت راسلتني في أن أحكم لفلان بشيء، لم تجز إجابتك إليه، لأنّه لم يكن مذهبي، ولا ممّا يجوز عندي في الحكم، ولو عرضت على السيف لم أجب إلى محال في حكم، فرددتك.

فكان منك بالأمس ما لم يرض الله به، ولا قدح في شيء من أمرنا، ولكنّي استدللت به على عتبك، ووقع لي أنّ الرجل كان وعدك بشيء ساءك فوته، وقد أنفذت إليك هذا- وضع الهدية بين يديه- وأحبّ أن تقبله، وتعذرني.

قال: فاغتظت منه، وقلت في نفسي: يؤدّي جزية، ويعطي مصانعة عن عرضه، أيّ رأي هذا؟

فمضى الرسول، وافترقنا، ما بدأني بشيء، ولا بدأته به.

فلما كان في الموكب الثاني، صحبته، فصعد من الطيّار، وجلست على رسمي، فإذا بأولئك الخدم، وعدّة أكثر منهم، وقد وقفوا له سماطين، يقولون: يا عفيف، يا نظيف، يا مأمون، يا ثقة، يا جمال الإسلام، يا تأريخ القضاة، ويدعون له، ويشكرونه، حتى صعد من الطيار. وخدموه أحسن خدمة، وهو ساكت على رسمه، إلى أن دخل الدار، ثم عند خروجه إلى أوّل ما نزل طيّاره.

فتحيّرت مما رأيتهم عليه من التضادّ في الدفعتين، مع قرب العهد.

فلما استقررنا في الطيّار، قال لنا أبو عمر: كأنّي بكم أنكرتم ما جرى منهم في ذاك الموكب، قلتم: لو شكاهم إلى الخليفة، فأمر بتأديبهم، أليس كذا وقع لكم؟

قلنا: بلى.

قال: كيف رأيتم ما شاهدتم اليوم؟

قلنا: أحسن منظر.

قال: إنّه لم يذهب [ ط] عليّ ما فكّرتم فيه، ولكنّي علمت أنّه لو شكوتهم، كنت بين أمور:

إن لم يقع إنكار، فتنخرق هيبتي، ويبطل جاهي، ويطمع كلّ أحد فيّ، ويجر عليّ ذلك أمورا كبارا.

أو وقع إنكار ضعيف، كان ذلك إغراء لهم.

أو وقع إنكار قويّ، صاروا كلّهم أعدائي، وتنقّصوني، وعاداني بعداوتهم من فوقهم من الخدم، ولهم بالسلطان خلوات ليست لي، فيولّدون عليّ عنده من الحكايات والسعايات، ما يفسد عليّ رأيه في مديدة.

وإنّي علمت أنهم ما قصدوني بهذا لشيء بيني وبينهم، وإنّما هي طاعة منهم، للخادم الذي هو رئيس عليهم، وأنّ ما حمله على ذلك، ما كان طمع في أخذه على قضاء الحاجة التي سألني فيها فرددته.

وعلمت أنّي إذا عوّضته واستصلحته، صلح لي جميع هؤلاء.

فعملت ما رأيت، فانصلح هؤلاء، وجميع الخدم، وأمنت عداوتهم، وعادوا يكذّبون أنفسهم فيما رموني به ذلك اليوم، ويخاطبوني بضدّه، بحضرة أكثر من كانوا خاطبوني ذلك اليوم بالقبيح بحضرته، وصاروا لي خدما، وزاد ذلك في محلي، أن يرى أعدائي، خدم الخليفة، يخدمونني، ويدعون لي، ولم يكن الخليفة، لو بلغ غاية الإنكار عليهم، يأمرهم بهذا من خدمتي.

وما علم الغرباء، لأيّ سبب رضوا عني، وفعلوا بي هذا، ويجوز

ان يظن أعدائي، أو يرجف أوليائي، أنّ الخليفة أمرهم بهذا، وأنكر عليهم ما جرى أولا، فتلافوني بهذا الفعل، وقد بلغت أكثر ما أردت، ولم أبلغ الغاية، ولا عاديت أحدا.

واعلم يا أبا الحسن، إنّ أشياء قليلها كثير، [منها] إيثار العداوة،- وذكر أشياء لم أحفظها- فأيّ الرأيين الآن عندك أصوب؟

فقلت: رأي القاضي، جمّل الله [الدنيا] ببقائه، وفعل به وصنع.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.