من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
حجر خاصيته طرد الذباب
حدّثني أبو أحمد عبد الله بن عمر الحارثي، قال: حدّثني رجل خراساني من بعض أصحاب الصنعة، ممن كان يعرف الأحجار الخواصيّة، قال:
اجتزت برهداريّ بمصر، فرأيت عنده حجرا أعرفه، يكون وزنه خمسة دراهم، مليح المنظر، وقد جعله بين يديه [في جملة] قماشه.
وكنت أعرف أن خاصيته في طرد الذباب، وكنت في طلبه منذ سنين كثيرة.
فحين رأيته ساومته فيه، فاستام عليّ به خمسة دراهم فلم أماكسه ودفعتها إليه صحاحا.
فلما حصلت في يده، وحصل الحجر في يدي، أقبل يطنز بي، ويسخر منّي.
ويقول: يجون هؤلاء الحمير، لا يدرون أيش يعطون، ولا أيش يأخذون، والله، إنّ هذه الحصاة رأيتها منذ أيام مع صبيّ، فوهبت له دانق فضّة، وأخذتها، وقد اشتراها هذا الأحمق مني بخمسة دراهم.
فرجعت إليه، وقلت له: يجب أن أعرّفك أنّك أنت الأحمق، لا أنا.
قال: كيف؟
قلت: قم معي، حتى أعرّفك ذلك.
فأقمته ومضينا، حتى اجتزنا بكسّار يبيع التمر في قصعة، والذباب محيط بها.
فنحّيت الرجل بعيدا من [ ط] القصعة، وجعلت الحجر عليها، فحين استقر عليها طار جميع الذباب.
وتركته ساعة، وهي خالية من ذبابة واحدة فما فوقها، ثم أخذت الحجر فرجع الذباب، ثم رددته، فطار الذباب.
ففعلت ذلك ثلاث مرات، ثم خبأت الحجر.
وقلت: يا أحمق، هذا حجر الذباب، وأنا قدمت في طلبه من خراسان، يجعله الملوك عندنا على موائدهم، فلا يقربها الذباب ولا يحتاجون إلى مذبّة، ولا إلى مروحة، والله، لو لم تبعني إيّاه إلّا بخمسمائة دينار، لاشتريته منك.
قال: فشهق شهقة، قدّرت أنّه تلف، ثم أفاق منها بعد ساعة، وافترقنا.
وخرجت بعد أيّام إلى خراسان والحجر معي، فبعته على نصر بن أحمد أميرها بعشرة آلاف درهم.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع