من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
يوسف بن وجيه صاحب عمان يذعن لحكم مستشاريه
حدّثني أبو عبد الله محمد بن أحمد بن سعيد العسكري، قال:
كان عندنا بعسكر مكرم شيخ أصبهاني مشهور يعرف بالكافوري، يتّجر في الجوهر، وكان حسن البصيرة بها.
فأخبرني إنّه اشترى فصّين، وباعهما مالكهما على أنّهما بجاذيان، ولم يعرفهما، قال: فعرفتهما أنا، وعلمت أنّهما بلخش، وهو جنس يشبه الياقوت الأحمر، فاشتريتهما منه بثلاثمائة درهم، وجلوتهما بالبصرة، فخرج لهما من الماء أمر عظيم.
واتفق أن خرجت إلى عمان، وهما معي، فعرضتهما على يوسف ابن وجيه، الأمير، وادعيت أنّهما ياقوت أحمر، فعرضهما لكل جوهريّ، فكانوا يصدّقونني.
فابتاعهما مني، بعد خطوب طويلة ومراوضات، بخمسين ألف درهم، وقبضت الثمن.
ثم شكّ فيهما، فأحضرني، وطالبني بالمال.
فقلت: إن كنت تريد أخذ المال باليد والقدرة، فأنت السلطان مالي بك قوّة، وإن كنت تريد أخذه بحجّة، فبيني وبينك أهل الصنعة.
فقال: ليس بعمان من أثق بعلمه.
فقلت له: فسرنديب قريبة منك، وهي المعدن فأنفذهما إلى هناك، فإن قيل إنّهما ليسا بياقوت، رددت المال.
ووضعت في نفسي أن أتّجر في المال، إلى أن ينكشف الأمر، فأربح فيه مالا، ثم أردّ عليه أصل ماله.
قال: فضمّنني المال على الشرط والمقام، وأنفذ الفصّين.
فلما كان بعد سنة، أو قريبا منها، أحضرني، وأخرج كتبا إليه من [وكيله] هناك، يذكر فيها أنّه جمع أهل الصنعة بسرنديب كلّهم، وعرض عليهم الفصّين، فقالوا: هما ياقوت أحمر، إلّا أنّه فيه رخاوة، ولو كان أصلب من هذا، ما كان له قيمة، وانّ هذا ياقوت ليس [هو من] هذا المعدن.
فقرأت الكتب.
فقال: ردّ المال.
فقلت: ما يلزمني، ما بعتك على أنّهما من معدن سرنديب، أو غيره من المعادن، ولا على أنّهما صلبان أو رخوان، وقد شهد أهل المعدن أنّهما ياقوت، وقد نعتوهما بالرخاوة، وقالوا إنّه لولا هذا العيب، ما كان لهما قيمة.
ولولا هذا العيب، ما بعتك بخمسين ألف دينار، وأنا [ ط] تاجر، قد قصدت بلدك، فلا تظلمني.
فقال لمن بحضرته؛ ما تقولون؟
فقالوا: نحن معه.
فأفرج عنّي.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع