تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

سلب دنانيره ثم استعادها بدرهمين

وحدّثني أيضا الحارثيّ، عمّن حدّثه، قال:

سافرت في بعض الجبال، وكان معي دنانير خفت عليها، فأخذت قناة مجوّفة، وجعلت في أنبوبة منها الدنانير، حتى امتلأت بها، فلم تجلجل، ولا جاء لها صوت، ثم صببت في رأسها الرصاص [الحار]، حتى خفي أمرها، والتزقت، وجعلت فيها حلقة وسيرا، وكنت أمشي وأتوكّأ عليها.

فخرج علينا اللصوص والأكراد، في عدّة مواضع، وأخذوا كلّ ما كان في القافلة، ولم يعرض لي أحد.

إلى أن خرج علينا آخر دفعة، لصوص رجّالة، فشلحونا، فرأى أحدهم عكّازي، فاستملحها، وأخذها.

فلحقني من الجزع عليها، بسبب الدنانير، أمر عظيم.

فأخذ أهل القافلة، يتلهّون بي، ويقولون: معنا من ذهبت منه الأموال والأمتعة، ما قلق قلقك على خشبة، وأنا ممسك، لا أصرّح بما كان فيها.

قال: وتمادى السفر بنا، إلى أن وصلت إلى مقصدي، فبقيت منقطعا [بي]، واحتجت إلى أن تصرّفت ببدني في بعض المهن نحو سنة.

فلما كان بعد سنة، اجتزت برهداري على الطريق، وإذا بين يديه قناة تشبه قناتي، وتأمّلتها فإذا هي [هي]، ورطلتها فإذا ثقلها بحاله.

فقويت نفسي، وقلت للرجل: تبيعني إيّاها؟

فقال: نعم.

فقلت: بكم.

فقال: بدرهمين.

ولم أكن أملك غيرهما، فقلت: أعطيه إيّاهما على الله تعالى، فإن كان مالي فيها فقد فزت، وإلّا أبلي عذرا بيني وبين نفسي.

فأعطيته الدرهمين، وأخذت العكّاز، وصعدت إلى مسجد، وطلبت أشفى من بعض الأساكفة، وأصعدت به معي إلى المسجد، وشققت العصا، فإذا بدنانيري قد خرجت عليّ بعينها.

فأخذتها، ورميت القناة، وحمدت الله تعالى على حفظ ذلك عليّ.

وانصرفت فتجهزّت، وخرجت إلى بلدي بتجارة ومير.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.