من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
امرأة تدعي أن زوجها كان يعشق السراويلات
حدّثني أبو علي الحسن بن محمد الأنباري الكاتب، قال:
مات عندنا بالأنبار، فلان، وأسماه، وكان عظيم النعمة، وافر المروءة، كثير الثياب، وكان لكثرتها، يحصّل كلّ فنّ منها في عدّة صناديق.
وكانت دراريعه الدبيقيّة مفردة، والدراريع الديباج مفردة، وكذلك القمص، والسراويلات، والجباب، والطيالس، والعمائم.
قال: وكان له بنو عمّ ورثوه، وأمّ ولد قد تزوّجها.
فلما مات، أخرجت جميع آلاته، وقماشه، وثيابه، إلّا اليسير، من الدار، فخبأته.
وذهب عليها صناديق السراويلات، فلم تخرجها، وجاء بنو العمّ، فختموا على الخزائن.
فلمّا انقضت المصيبة، فتحوها، فوجدوها أخلى من فؤاد أمّ موسى،
فخاصموها إلى قاضي البلد، فلم تنقطع الخصومة.
فدخلوا الحضرة، وتظلّموا منها فأشخصت، وحملت [ ط] إلى القاضي أبي جعفر بن البهلول، ووقّع إليه بالنظر فيما بينهم على طريق المظالم.
فحضروا عنده وأخذ يسائلهم عن دعواهم، وهي منكرة جميعها.
فقالوا له: أيّها القاضي، فلان أنت أعرف الناس [بعظم] مروءته وثيابه، وما كنت تشاهده له، وكلّه كان في يدها له.
وساعة مات ختمنا خزائنه، وهي كانت في الدار، ولمّا فتحناها لم نجد له فيها إلّا عدّة صناديق فيها سراويلات، وقطعا يسيرة من ثيابه.
فأين مضى هذا؟ ومن أخذه؟ وما السبب في عظم السراويلات وقلّة الثياب؟
قال: فأقبلت الجارية محتدّة، كأنّها قد اعدّت الجواب، فقالت:
أعزّ الله القاضي، أما سمعت ما حكاه الجاحظ من أنّ رجلا كان يعشق الهواوين، فجمع منها مائتي هاون، هذا كان يعشق السراويلات.
قال: فضحك القاضي أبو جعفر، وانفضّ المجلس عن غير شيء.
فما انتصفوا منها بعد ذلك.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع