من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
قال الخليفة المقتدر
ما ظننت أنّ في الدنيا من يأكل طعاما بلا حلوى بعده حدّثنا أبو منصور القشوري، وكان من الجند المولّدين، قال:
كنت أخدم وأنا حدث، في دار نصر القشوري، المرسومة بالحجبة من دار المقتدر بالله.
فركب المقتدر بالله يوما، على غفلة، وعبر إلى بستان الخلافة، المعروف بالزبيدية، وأنا مشاهد لذلك، في نفر من الخدم والغلمان، وتشاغل أصحاب الموائد، والطبّاخون، بحمل الآلات، والطعام، وتعبيتها في الجون، فانفلّت، وأعجل هو في طلب الطعام، فقيل له: لم يحمل بعد.
فقال: انظروا ما كان.
فخرج الخدم، محتارين، ليس يجسروا يعودوا، فيقولوا ما جا شي، وهم يتشاورون فيما يفعلونه.
فسمعهم جعفر، ملّاح طيّار المقتدر، الرئيس على الملاحين الذين برسم الخدمة، فنادى عليهم، وقال: معي طعام.
قال: فهاتم ما معه.
فأخرج من تحت الطيّار، جونة مليحة، خيازر، لطيفة، فيها جدي بارد، وسكباج مبرّد، وبزماورد، وإدام، وقطعة مالح ممقور طيّبة، وأرغفة سميذ جيّدة، وكل ذلك نظيف، وإذا هي جونة تعمل له في منزله، في كلّ يوم، وتحمل إليه، فيأكلها في موضعه في الطيّار، ويلازم الخدمة.
فلمّا حملت إلى المقتدر، استنظفها، وأكل منها، واستطاب المالح، والإدام، فكان أكثر أكله منه.
ولحقته الأطعمة من مطبخه، فقال: ما آكل اليوم، إلّا من طعام جعفر الملّاح، فأتمّ أكله منه، وأمر بتفريق الطعام على من حضر.
ثم قال: قولوا له: هات الحلوى.
فقال: نحن لا نعرف الحلوى.
فقال المقتدر: ما ظننت أنّ في الدنيا من يأكل طعاما، بلا حلوى بعده.
فقال الملّاح: حلوانا التمر، والكسب، فإن تنشط له أحضرته.
قال: لا، هذا حلو صعب، لا أطيقه، فاحضروا من حلوانا.
فأحضرت عدّة جامات، فأكل، وجلس للشرب.
ثم قال لصاحب المائدة: اعمل في كلّ يوم جونة، تنفق عليها، ما بين عشرة دنانير، إلى مائتي درهم، وسلّمها إلى جعفر الملّاح، تكون برسم الطيّار أبدا، فإن ركبت يوما على غفلة، كما ركبت اليوم، كانت معدّة، وإن حان المغرب، ولم أركب، كانت لجعفر.
فعملت، إلى أن قتل المقتدر، وكان جعفر يأخذها، وربما حاسب عليها الأيّام، وأخذها دراهم.
وما ركب المقتدر بعدها، على غفلة، ولا احتاج إليها.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع