تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

أبو المغيرة الشاعر يروي خبرا ملفقا

حدّثنا أبو المغيرة، محمد بن يعقوب بن يوسف، الشاعر، البغداديّ، الأسديّ، قال: حدّثني أبو موسى عيسى بن عبيد الله البغداديّ، قال:

حدّثني صديق لي، قال:

كنت قاصدا للرملة وحدي، فانتهيت إليها، وقد نام الناس، ليلا، فعدلت إلى المقبرة، ودخلت بعض القباب التي على القبور، وطرحت درقة كانت معي، فاتكأت عليها، وعلّقت سيفي أريد النوم، لأدخل إلى البلد نهارا، فاستوحشت من الموضع، وأرقت.

فلما طال أرقي، أحسست بحركة، فقلت: لصوص يجتازون، فإن قصدت لهم، لم آمنهم، ولعلّهم أن يكونوا جماعة، فلا أطيقهم، فانخزلت مكاني، ولم أتحرّك، وأخرجت رأسي من بعض أبواب القبّة، على تخوّف شديد، فرأيت دابّة كالدبّ، يمشي، فأخفيت نفسي، فإذا به قد قصد قبّة حيالي، قريبة منّي، فما زال يتلفّت طويلا، ويدور حولها، ويتلفّت، ساعة، ثم دخلها.

فارتبت به، وأنكرت فعله، وتطلّعت نفسي إلى علم ما هو عليه.

فدخل القبّة، وخرج غير متثبّت، ثم دخل وخرج، بسرعة، دفعات، ثم دخل، وعيني عليه، فضرب بيده إلى قبر في القبة ليحفر.

فقلت: نباش، لا شك فيه.

وتأمّلته يحفر بيديه، فعلمت أنّ فيها آلة حديد يحفر بها.

فتركته إلى أن اطمأنّ، وأطال، وحفر شيئا كثيرا، ثم أخذت سيفي ودرقتي، ومشيت على أطراف أناملي، حتى دخلت القبة، فأحسّ بي، وقام إليّ بقامة إنسان، وأومأ إليّ ليلطمني بكفه، فضربت يده بالسيف، فأبنتها، وطارت.

فصاح: أواه، قتلتني، لعنك الله.

وعدا من بين يديّ، وعدوت وراءه، وكانت ليلة مقمرة، حتى دخل البلد، وأنا وراءه، ولست ألحقه، إلّا أنّه بحيث يقع بصري عليه، إلى أن اجتاز في طرق كثيرة، وأنا في خلال ذلك أعلّم الطرق، لئلا أضلّ، حتى إذا جاء إلى باب دار، فدفعه، ودخل، وغلقه، وأنا أتّبع.

فعلّمت الباب، ورجعت أقفو الأثر، والعلامات التي علّمتها في طريقي، حتى انتهيت إلى القبّة التي كان فيها النبّاش، فطلبت الكف، فوجدتها، وأخرجتها إلى القمر، فبعد جهد، انتزعت الكفّ المقطوع من الآلة الحديد، فإذا هي كفّ كالكفّ، وقد أدخل أصابعه في الأصابع، وإذا هي كفّ فيها نقش حناء، وخاتمان ذهب.

فحين علمت أنّها امرأة، اغتممت، وتأمّلت الكفّ، وإذا أحسن كفّ في الدنيا، نعومة، ورطوبة، وسمنا وملاحة، فمسحت الدم منها، ونمت في القبّة التي كنت فيها.

ودخلت البلد، من غد، أطلب العلامات، حتى انتهيت إلى الباب.

فسألت: لمن الدار؟

فقالوا: لقاضي البلد.

واجتمع عليها خلق، وخرج منها رجل شيخ بهيّ، فصلّى الغداة بالناس، وجلس في المحراب.

فازداد عجبي من الأمر، وقلت لبعض الحاضرين: بم يعرف هذا القاضي؟

فقال: بفلان.

فأطلت الحديث في معناه، حتى عرفت أنّ له ابنة عاتقا، وزوجة، فلم أشكّ، أنّ النبّاشة ابنته.

فتقدّمت إليه، وقلت له: بيني وبين القاضي- أعزّه الله- حديث، لا يصلح إلّا على خلوة.

فقام إلى داخل المسجد، وخلا بي، وقال: قل.

فأخرجت إليه الكفّ، وقلت: أتعرف هذه؟

فتأملها طويلا، وقال: أما الكفّ فلا، وأمّا الخواتيم، فخواتيم ابنة لي، عاتق، فما الخبر؟

فقصصت عليه الحديث بأسره.

فقال: قم معي، وأدخلني داره، وغلق الباب، واستدعى طبقا، وطعاما، واستدعى امرأته.

فقال له الخادم: تقول لك: كيف أخرج ومعك رجل غريب؟

فقال: لا بدّ من خروجها تأكل معنا، فهنا من لا أحتشمه.

فأبت عليه، فحلف بالطلاق لتخرجين، فخرجت باكية، فجلست معنا.

فقال لها: أخرجي ابنتك.

فقالت: يا هذا، قد جننت، فما الذي حلّ بك؟ فقد فضحتني، وأنا امرأة كبيرة، فكيف تهتك صبيّة عاتقا؟

فحلف بالطلاق لتخرجنّها، فخرجت.

فقال: كلي معنا.

فرأيت صبيّة كالدينار المنقوش، ما مقلت مقلتاي مثلها، ولا أحسن منها، إلّا أنّ لونها أصفر جدا، وهي مريضة، فعلمت أنّ الذي لحق يدها، قد فعل بها ذلك.

فأقبلت تأكل بيمينها، وشمالها مخبوءة.

فقال: اخرجي اليسرى.

فقالت: قد خرج فيها خراج عظيم، وهي مشدودة.

فحلف لتخرجنّها.

فقالت امرأته: يا رجل، استر على نفسك، وعلى ابنتك، فو الله- وحلفت بأيمان كثيرة- ما اطّلعت لهذه الصبيّة على سوء قط، إلّا البارحة، فإنّها جاءتني، بعد نصف الليل، فأيقظتني، وقالت: يا أمّي، الحقيني، وإلّا تلفت.

فقلت لها: ما لك؟

فقالت: قد قطعت يدي، وهوذا أنزف الدم، والساعة أموت، فعالجيني، وأخرجت يدها مقطوعة.

فلطمت، فقالت: لا تفضحيني ونفسك بالصياح، عند أبي والجيران، وعالجيني.

فقلت: لا أدري بما أعالجك.

فقالت: خذي زيتا، فاغليه، واكوي به يدي.

ففعلت ذلك، وكويتها، وشددتها، وقلت: الآن حدّثيني ما دهاك.

فامتنعت.

فقلت: والله، لئن لم تحدّثيني، لأكشفن أمرك إلى أبيك.

قالت: إنّه وقع في نفسي منذ سنتين، أن أنبش القبور، فتقدّمت

إلى هذه الجارية، فاشترت لي جلد ماعز غير محلوق الشعر، واستعملت لي كفّين من حديد، وكنت إذا نمتم، أفتح الباب، وآمرها أن تنام في الدهليز ولا تغلق الباب، وألبس الجلد، والكفّين الحديد، وأمشي على أربع، فلا يشكّ من لعلّه يراني من سطح أو غيره، أنّي كلب.

ثم أخرج إلى المقبرة، وقد عرفت من النهار، خبر من يموت من الجلّة، وأين قد دفن، فأقصد قبره، فأنبشه، وآخذ الأكفان، فأدخلها في الجلد، وأمشي مشيتي، وأعود والباب غير مغلق، فأدخل، وأغلقه، وأنزع تلك الآلة، وأدفعها إلى الجارية، مع ما قد أخذته، فتخبئه في بيت لا تعلمون به، وقد اجتمع ثلاثمائة كفن، أو ما يقاربها، لا أدري ما أصنع بها، إلّا أنّي كنت أجد لذلك الخروج، والفعل، لذّة لا سبب لها، أكثر من أن أصابتني بهذه المحنة.

فلما كان الليلة، تسلّط عليّ رجل، أحسّ بي، وكان كأنّه جالس، أو حارس لذلك القبر، فحين بدأت أنبشه، جاءني، فقمت لأضرب وجهه بكفّي الحديد، فأشغله بها عنّي، وأعدو، وأنجو، فداخلني بالسيف، فضربني، فتلقّيت الضربة بشمالي، فأبان كفّي.

فقلت لها: أظهري أنّه قد خرجت على كفك خراج، وتعاللي، فإن الذي بك من صفار، يصدّق قولك، حتى إذا مضت أيّام، قلنا لأبيك، لا بد أن تقطع يدك، وإلّا خبث جميع بدنك، فتلفت، فيأذن لنا في قطعها، فنوهم أنّا قطعناها [من] جديد، وينستر أمرك.

فعملنا على هذا، بعد أن استتبتها، فتابت، وحلفت بالله، لا عادت.

وكنت على بيع هذه الجارية، وأراعي فيما بعد مبيت هذه الصبيّة، وأبيّتها جانبي، ففضحتني أنت، وفضحت نفسك.

فقال لها القاضي: ما تقولين؟

فقالت: صدقت أمّي، وو الله، لا عدت أبدا، وتابت.

فقال لها القاضي: هذا صاحبك الذي قطع يدك، فكادت أن تتلف جزعا.

ثم قال: يا فتى، من أين أنت؟

فقلت: رجل من أهل العراق.

قال: ففيم وردت؟

قلت: أطلب الرزق.

فقال: قد جاءك حلالا، هنيئا، نحن قوم مياسير، ولله علينا ستر، فلا تهتكه، والله، ما علمت هذا من حال ابنتي، فهل لك أن تتزوّجها، وأغنيك بمالي عن الناس، وتكون معنا، وفي دارنا؟

قلت: نعم فرفع الطعام، وخرجنا إلى المسجد والناس مجتمعون، ينتظرونه.

فخطب، وزوّجني، وقام رجع، فأدخلني إلى الدار.

ووقع حبّ الصبيّة في نفسي، حتى كدت أموت عشقا لها، وافترعتها، وأقامت معي شهورا، وهي نافرة عنّي، وأنا أونّسها، وأبكي حسرة على يدها، وأعتذر إليها، وهي تظهر قبول عذري، وأنّ الذي بها غمّا على يدها.

إلى أن نمت ليلة، وانبسطت في نومي، على رسمي، فأحسست بثقل على صدري شديد، فانتبهت جزعا، فإذا بها باركة على صدري، وركبتها على يدي، مستوثقة، وفي يدها موسى، وقد أهوت لتذبحني، فاضطربت ورمت الخلاص فتعذّر، وخشيت أن تبادرني، فسكنت.

فقلت لها: كلّميني، واعملي ما شئت، ما الذي يدعوك إلى هذا؟

قالت: أتظنّ أنّك قطعت يدي، وهتكتني، وتزوّجت بي، وتنجو سالما؟ والله لا كان هذا.

فقلت: الذبح قد فاتك، ولكنّك تتمكّنين من جراحات توقعينها بي، ولا تأمنين أن أفلت فأذبحك، أو أهرب وأكشف هذا عليك، ثم أسلمك إلى السلطان، فيكشف جنايتك الأولى، والثانية، ويتبرّأ منك أهلك، وتقتلين.

فقالت: افعل ما شئت، فلا بدّ من ذبحك، وقد استوحش كل منّا من صاحبه.

فنظرت، وإذا الخلاص منها يبعد عليّ، ولا آمن أن تجرح موضعا من بدني، فيكون فيه تلفي، فقلت: الحيلة أعمل فيها.

فقلت: أو غير هذا.

فقالت: قل.

فقلت: أطلّقك الساعة، وتفرجين عني، وأخرج من البلد، فلا تريني، ولا أراك أبدا، ولا ينكشف لك حديث في بلدك، ولا فضيحة، وتتزوّجين من شئت، فقد شاع عند الناس، أنّ يدك قطعت لخراج خبثها، وتربحين الستر.

فقالت: تحلف أنّك لا تقيم في البلد، ولا تفضحني فيه أبدا؟

قال: فحلفت بالأيمان المغلظة.

فقامت عن صدري، تعدو، خوفا من أن أقبض عليها، حتى رمت الموسى بحيث لا أدري، وعادت، فأخذت تظهر بأنّ الذي فعلته، مزاح، وتلاعبني.

فقلت: إليك عنّي، فقد حرمت عليّ، ولا تحلّ لي ملامستك، وفي غد، أخرج عنك.

فقالت: الآن علمت صدقك، وو الله، لو لم تفعل، لما نجوت من يدي.

وقامت، فجاءتني بصرّة، وقالت: هذه مائة دينار، خذها نفقة، واكتب رقعة بطلاقي، ولا تفضحني، واخرج.

فخرجت في سحرة ذلك اليوم، بعد أن كتبت إلى أبيها، أنّي قد طلّقتها، وأنّي خرجت حياء منه.

ولم ألتق بهم إلى الآن.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.