تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

أبو أحمد الدلجي يرى مناما صادقا

حدّثني الأستاذ أبو أحمد الحسين بن محمد بن سليمان، الكاتب المعروف بالدلجيّ، قال:

رأيت في المنام ذات ليلة- وأنا إذ ذاك أخلف سهل بن بشر على أعمال الأهواز- كأنّي قد خرجت إلى بعض الصحارى، فصعدت جبلا شاهقا، فلما بلغت ذروته، قربت من القمر، أو قرب القمر منّي، حتى لمسته بيدي، وكأنّ في يدي خشبة، قد أدخلتها فيه، وأنا أخضخضها فيه، حتى نقبته، وقطّعته قطعا، ثم أخذت بتلك الخشبة، غيما، كان قريبا من القمر، فما زلت ألطّخه، حتى طيّنته كلّه، وكأنّ صاحبا لي يقول: ما تصنع؟

فقلت له: قد قتلت القمر، وأنا أطيّنه بهذا الغيم.

وانتبهت، فاشتغل بذلك قلبي، فبكّرت إلى أبي الحسن أحمد بن عمر الطالقاني، الكاتب، فلما رآني، قال: رأيت لك البارحة مناما طريفا، وأردت أن أجيئك الساعة، فأفسّره لك.

فقلت: فإنّي رأيت البارحة مناما قد شغل قلبي، فجئت لأحدّثك به.

فقال: ما رأيت؟

فقصصت عليه الرؤيا. فقال: لا تشغل قلبك بها، فستلي مكان سهل بن بشر، وتحتوي على منزله، عن قريب.

فقلت: من أين لك هذا؟ وما الذي رأيت أنت؟

فقال: رأيت البارحة في منامي، كأنّي مجتمع مع رجل صالح، قد هجس في نفسي أنّه بعض الصحابة، أسأله أن يدعو الله ﷿ لي، فقال لي: الدلجيّ صديقك؟

فقلت: نعم فقال: قل له: الأهواز وقف عليك، فاتّق الله، ولا تؤذي زوجتك، ولا شكّ أنّ هذا المنام تفسير منامك.

فاستكتمته المنام، وافترقنا، وعدت.

وما كنت أرى أنّني أؤذي زوجتي في شيء، إلّا في تسرّي الجواري، وكانت عندي واحدة منهنّ، قد أقامت نحو سنة، وكادت أن تغلبها عليّ، فبعتها على مشتر في الحال، ووهبت ثمنها لزوجتي، وكان ألوف دراهم.

فلما كان بعد ذلك بسنة- أكثر أو أقل- ورد الوزير ابن بقيّة، الأهواز، مع عزّ الدولة، وقبض على القائد بختكين آزاذرويه، والأتراك، وسهل بن بشر، ثم أطلق القائد، وسمّي بالحاجب الأجل، وردّت الضمانات إليه، وقلّدني مكان سهل بن بشر.

فما زال في حبس أبي أحمد، مدة، ثم أخذ من يده، وحمل إلى بغداد، وحدث من ملك الأمير عضد الدولة بغداد ما حدث، فأطلق، وقلّد عسكر مكرم، وتستر، وجنديسابور وأعمال ذلك، ونكب أبا أحمد، وألزمه مالا، فلزم منزله بالأهواز، وكان يؤدّي المال، إلى أن خالف سهل بن بشر، ودخل الأهواز بالجيش داعيا إلى عضد الدولة، ومعهم أبو أحمد خوفا على مهجته من سهل بن بشر.

وأقام بأرجان، سنة وشهرا، ثم واطأ الديلم بالأهواز، على أن يشغبوا، ويقولوا: إنهم لا يرضون بالوزير وزيرا، ولا يقنعون إلّا بصرفه، وتقليد غيره الوزارة، وإلّا لم يرضوا بإمارة الأمير عزّ الدولة، واستحلف القوّاد، وسائر الجيش بكور الأهواز، وبايعوه، وحلفوا له، وأظهر أنّه يريد المسير إلى بغداد، للمطالبة بذلك، وذلك في شعبان سنة خمس وستين وثلاثمائة.

فأنكر ذلك، الأمير عزّ الدولة، وأنفذ إبراهيم بن إسماعيل، من أجلّ حجّابه، برسالة إلى الديلم، فندموا على ما فعلوا، وأذعنوا بالطاعة، فقبض

على سهل بن بشر، وحمله إلى بغداد، إلى الأمير عزّ الدولة، فخلع عليه، وضمّنه الأهواز، واليا لها ولكورها.

فصارت الأهواز، كالوقف عليه، لا يصلح لها غيره، ولا يعرف فيها عند الحاجة سواه.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.