من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
فصل
سميته «تاج الكتاب»، قبل أن أطلّ على ساقة الكلام لسياقة الأقسام. [قلت]: لمّا كان كتابي هذا بين رعايا الكتب أميرا، أمطيته من عروش الإمارة سريرا، وجعلت رأسه بسماء الفخر مظلّلا، وبتاج العزّ مكلّلا.
وافتتحته بمن هو مفتاح يد المتطرّق إلى باب الرّشاد، ومصباح عين المستضيء بنور السّداد، ورحمة الله الموعودة للعباد، ورأفته المنشورة في البلاد، أمير المؤمنين القائم بأمور المسلمين، المصدّر في دست العظمة والجلالة، المستخرج من عنصر النبوّة والرّسالة، قام بأمر الله معتصما بحبل رجائه، فصبّ سجال النعم على أوليائه، وأسواط النّقم على أعدائه، فهاؤم اقرؤوا كتابيه، إنها بشارة مصبوبة في الآذان، وباكورة مجلوبة من ثمرات الجنان وعكس ضوء من ذلك البدر الزاهر، وتنفّس مدّ من ذلك البحر الزاخر، وفرد در زلّ من تاج الإمامة، وحبّ مزن انحدر من ماء الغمامة، وشرف لهذا العصر أطلع رأسه
من شرف ذلك القصر، وقد استسعدت سنة خمس وخمسين بالمثول في تلك المواقف الشّريفة، والرقيّ في تلك المراتب المبنيفة، وأنشدت بائية قرعت شقاشقي أعواد السرير، بما علكت فيها من الهدير، مطلعها:
عشنا إلى أن رأينا في الهوى عجباكلّ الشّهور، وفي الأمثال: عش رجبا
وأنّ أجفان عيني أمطرت ورقاوأنّ ساحة خدّي أنبتت ذهبا
أليس من عجب أنّي ضحى ارتحلواأوقدت من ماء دمعي في الحشا لهبا؟
أأن توقّد برق من جوانبهمتوقد الشوق في جنبي والتهبا؟
كأنّ ما انعقّ عنه من معصفرهقميص يوسف غشّوه دما كذبا
ومنها في التخلّص إلى المديح:
ومهمه يتراءى آله لججايستغرق الوخد والتّقريب والخببا
كم فيه حافر طرف يحتذي وقعامن فوق خفّ بعير يشتكي نقبا
تصاحب الريح فيه الغيم لم ينبياأن يشركا في كلا حظّيهما عقبا
فالريح ترضع درّ الغيم إن عطشتوالغيم يركب ظهر الريح إن لغبا
أنكحته ذات خلخال مقرّطةوالرّكب كانوا لشهودا والصّدى خطبا
[وسرت فيه على اسم الله مصطحباللعزم لا عدمته النفس مصطحبا]
إلى أبي البحر إني لست أنسبهلجعفر إن حساه شارب نضبا
يوم الوغى من بني العبّاس عترتهلكنّه غير عباس إذا وهبا
لعزّة جعل الرحمن ملبسهمن الشباب ونور العين مستلبا
وجه ولا كهلال الفطر مطّلعابدر ولا كانهلال القطر منسكبا
وعمّة عمّت الأبصار هيبتهابرغم من لبس التيجان واعتصبا
له القضيبان هذا حدّه خشبوذاك لا يتعدّى حدّه الخشبا
كلاهما منه في شغل يديرهمابين البنان رضى يختار أم غضبا
قل للفرات ألم تستحي راحتهحتى اقتديت به: أنّى، ولا كربا!!
وقل لدجلة غيضي عند منحتهفقد أسأت بجاري فيضك الأدبا
ولا يتّسع نطاق الكلام لأكثر ممّا تشرفت به آنفا من الاشادة بثناء تلك الحضرة المقدّسة، ضاعف الله بهجتها، وأظفر رايتها، وأعان دعوتها وأعلى كلمتها.
وهذا دعاء لو سكتّ كفيتهلأنّي سألت الله فيك وقد فعل
أنشدني أبو تراب الخادم قال: أنشدني أمير المؤمنين القائم بأمر الله لنفسه:
القلب من خمر التّصابي منتشمن ذا عذيري من شراب معطش
والنّفس في أسر الغرام قتيلةولكم قتيل في الهوى لم ينعش!
جمعت عليّ من الغرام عجائبخلّفن قلبي في إسار موحش
خلّ يصدّ وعاذل متنصّحومنازع يؤذي ونمّام يشي
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع