من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
أبو كامل تميم بن المفرج الطائي
كامل وبالكمال قد كني، وإذا وصف تمام الفضل فتميم عني، وناهيك بذاك الألمعيّ مفرّجا كاسم أبيه (لغمّاء العيّ).
ذكر لي الشيخ أبو عامر الجرجانيّ أنّه اجتاز به قاصدا غزنة، ولم يقف له على جليّة خبر بعد ذلك. والغالب على الظنّ أنّه استوفى رزقه هنالك. أنشدني الشيخ أبو عامر له قال: أنشدنيها لنفسه في الوزير أبي القاسم عليّ بن عبد الله الجوينيّ، ﵀:
ودّعينا إن كنت أزمعت جارهقبل أن يمنع الفراق الزّياره
زوّدي وامقا أجدّ ارتحالاما قضى في مقامه أوطاره
[مغرما ما علمت يا أمّ عمروأين صار الهوى به يوم صاره]
لم يزل يحذر التّفرّق حتّىحقّقوا يوم رامتين حذاره
كان يكفيه، والمحبّ قنوع،وقفة أو تحية أو إشاره
قوله: والمحبّ قنوع، من حشوات اللّوزينج.
منظر ما رأيته قطّ إلّاقلت: بدر لتمّه وسط داره
كاعب في الحجاب يمنعها الزّور حياء يصونها وغراره
ذات ثغر كأنّه، حين يبدو،عقد درّ أو أقحوان قراره
ومنها في المدح:
كان لله في البريّة لطفيوم أفضى إليه أمر الوزاره
إنّ فيه لكلّ وهي سداداولديه لكلّ وهن جباره
وأنشدني القاضي أبو جعفر محمّد بن اسحاق البحّاثيّ قال: أنشدنيها لنفسه من خمرّية:
قم سقني قبل الصّباح المسفريوم الخميس على طلوع المشتري
وإذا لقيت الجمعة الزّهراء فليكن الغبوق على جبين أزهر
واستقبل اليوم السّعيد بمقبلطلق وأدبر عن عذول مدبر
إن قال: إنّ الراح حرّم شربهاعن أهل دين محمد فتنصّر
(عن ههنا بمعنى (على)، وهما يتعاقبان. قال الله ﷿: « [ومن يبخل] فانّما يبخل عن نفسه» أي على نفسه:
قل للغزالة وهي غير غزالةوالجؤذر» النّعسان غير الجؤذر
لمذكّر الخطوات غير مؤنّثومؤنّث الخلوات غير مذكّر
قلت: هذا بيت شعر يساوي بيت تبر، وفيه قلب يقبله كلّ قلب.
ثمّ الموازنة بين الخطوات والخلوات في نهاية الملاحة وهو ينظر إلى قول البختريّ:
قدّ يؤنّث تارة ويذكّر
إلّا أنّ هذا أعجب إليّ من ذاك:
قومي إلى الشّيء الذي متنا بهبالأمس فانشرني بذاك الجوهر
وتسربلي قبل القيام وأسبليذاك العذار الجون ثمّ تزنّري
فتنبّهت هيفاء غير بطيّةعمّا التمست ولا سحوب المئزر
يعني أنّها تشمّرت للخدمة، فقلّصت ذيلها لا كالكسلان الذي يزوّد الأرض فضل ردائه، إمّا لكسله وإمّا لخيلائه:
تفترّ عن برد وتنظم مثلهاعقدا وتنظر من جفون فتّر
وتيمّمت دنّين في مطمورةكانا معا، فيما أظنّ، لقيصر
فتحتهما وكأنّما فتحتماعن لون ياقوت ونكهة عنبر
وله أيضا [رحمه الله تعالى]:
قد أفرط الأمر عن الشّكوىوعاد مكتوم الهوى نجوى
لا ادّعي الحبّ وفي حالتيللناس ما يغني عن الدّعوى
ولي دواء (من سقام) الهوىلو كنت أروى من لمى أروى
من لقتيل بسهام هى النّجل السّواجي والّلمى الأحوى؟
يا قمرا غادر عيني معاسهدا ودهري كلّه سهوا
حمّلتني أكثر من طاقتييغنيك عن تصريحي الفحوى
حبّ وصدّ واشتياق إلىمن رشق القلب فما أشوى
[وله أيضا] [عفي عنه]:
أبصروا حالتي ودقّة جسميكلّ هذا من حبّ من لا أسمّي
ولعمري إنّ الوفاة لأحلىمن حياة بين اشتياق وسقم
غير أنّي أخشى العقاب على منأنا أهواه أن يبوء بإثمي
وله [أيضا]:
وليلة لي جمعت كلّ طيبزار بها الالف وغاب الرّقيب
فبت للبدر سميرا وماذلك بدر لا، ولكن حبيب
مذكر الذّكر سوى أنّهحورية ذات بنان خضيب
يجرحها اللّحظ على أنّهاتجرح باللّحظ سواد القلوب
قلت: أنصفت هذه الحورية حيث جرت على قضيّة قول الله تعالى:
«والجروح قصاص»، ولهذه الآية بتلك الحالة اختصاص، [ومنها]:
ثمّ افترقنا سحرا لم يكنحال وما ذاك لخوف الذّنوب
وإنّما خفت على زائريلو أنّني جمشته، أن يذوب
قلت: اجتمع في هذا البيت عاشق من الريبة تائب، ومعشوق من الرّفّة ذائب. وله من خمريّة:
قم إلى الراح مع الصّبحإذا قام المؤذّن
وإذا أعلن باللّهـ فقل للعود أعلن
إن تسىء يا أيّها العبد فإنّ الله محسن
وأنشدني القاضي أبو جعفر البحّاثيّ الزّوزنيّ [﵁] قال:
أنشدني من قصيدة أوّلها:
سلا عن بانة الطّلل اليبابابحيث يقابل البرق الهضابا
وعيش غضارة لو دام لكنتكدّر ذاك حين صفا وطابا
[ومنها]:
ليالي في الخدور محجّباتيدعن القلب مختبلا مصابا
كعين سويقة حدقا ولكنرأيناها هنا شنبا عذابا
وأعطافا إذا رمن انعطافاأبت أردافها إلّا جذابا
وأطرافا يحار الحلي فيهافليس يكاد يضطرب اضطرابا
قد قيل في الأطراف المنعّمة: إنّها تعضّ لحلي وتخرس وساوسها. أمّا قوله: يحار الحلي فيها، فلم (أسمع به) إلّا في شعره، وقد أتى ببدع المستعار وبكره، وهو في غاية الفصاحة ونهاية الملاحة:
يطفن بملء عين الصّبّ حسناوإن كانت بمهجته عذابا
وحدّثني الأديب يعقوب [بن أحمد] النيسابوريّ [﵀]، قال:
أنشدت بحضرة أبي كامل:
صهل الكميت، فقلت: ما لك تصهل؟
فغيّره بعض الحاضرين، وقال:
نعب الغراب، فقلت: ما لك تنعب؟
فأجازه أبو كامل بديهة، وقال:
نعب الغراب فقلت: ما لك تنعب؟أنأى أليفك أم لحال ترهب؟
أم أنت تخبرنا بفرقة جيرةقد آن في شعبان أن يتشعّبوا
عزموا على ترك النّفوس وراءهمماء يسيل على لظى يتلهّب
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع