من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
الشريف أبو طالب محمد بن عبد الله (الدمشقي الأنصاري)
ما طرأ على نيسابور من الشام في عصرنا هذا، أعذب منه عذبة لسان، ولا أفصح منه براعة بيان، ولا أنقش منه يراعة بنان. وقد نشر
بخراسان من نسائج خواطره ونتائج ضمائره ما يزري بالوشيين؛ وشي الرّبا ووشي البرود، ويتيه على الوردين؛ ورد الجنى، وورد الخدود.
واتّفق أني وافيت نيسابور منصرفي من البصرة، وهو عليها للمقام معرّج، وفيها لأوتاد الخيام مشجّج. وكنت في عقابيل أسقام استصحبتها من تلك الأهوية الوبيّة، وحميّات ألقيت عليها أزمّة نفسي الأبيّة، وتنفست فيما يهذي به المحموم، أو يتعلّل به المهموم بأبيات تترجم عن أوصاف أحوالي، وتشهد بصدق مقالي، إذ قلت: إني كنت من حرارة المزاج على المقالي، وها هي:
قرب السّقام وبعد الأهل والوطنهما هما أورثاني السّقم في بدني
حنّت هوى لجبال الثّلج راحلتيوما لها ببراق الشّيح من عطن
ما لي أذيع فنون الوجد مشتكياإذا اشتكت شجوها الورقاء في فنن؟
بقيت بالبصرة الرّعناء ممتريادمعا غسلت به عن مقلتي وسني
طورا تراني فيها ذاويا زهريمن النّحول وطورا ذابلا غصني
لرقص برغوثها القفّاز في سلبيبدءا وعودا وزمر البقّ في أذني
ومائها الملح والشمس التي صهرترمل الفلا وأذابت صخرة القنن
ونفض زائرة تنفكّ تنزلنيعن ظهر صبري وليس النوم يحملني
إدا عرت مضجعي ظمياء جائعةتشرّبت رونقي واستأكلت سمني
[ومنها]:
كالمشرفيّ إذا أغمدت في فرشيوإن نفضت من الحمّى فكاليزني
ولو فشا خبر ممّا منيت بهبأرض خيبر ظلّت منه في محن
بم التّعلّل لا أهلي لديّ ولاعندي نديمي ولا كأسي ولا سكني؟
الشّكر دأبي والكفران لست لهسيّان في جذل أصبحت أم حزن
قلت: فزارني هذا الشريف عائدا، وكان التقائي به سلامة سابغة الأذيال، اهديت إليّ، وعافية سائغة الزّلال منّ بها عليّ. وبقي في قيد الأنعام النظاميّ مدّة بنيسابور، رافلا في سرابيل منحه، ناطقا بأغاريد
مدحه. يتدرّع في رياض الأماني ظلاله، وينتجع لصيدحه بلاله.
فما (تماكس»
أن تماسكت) أحواله، وتلافحت فتلاحقت أمواله، وخرج في خدمة ركابه العالي إلى إصفهان، فاستوفى بها أكله، واستغرق الرزق كلّه، واقتطعته المنيّة دون الأمنيّة، ولحق باللطيف الخبير: «وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً، وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ»
. فممّا مدح به الصاحب نظام الملك، حرس الله نظامه، وأدام أيامه، قوله من قصيدة أوّلها:
نوالك من قطر السّحائب أنفعوقدرك من مجرى المجرة أرفع
وهمّك تفريق الثّراء وإنّماتضمّ به شمل الثّناء وتجمع
ينيلك ما تبغي من المجد نائلعميم وقلب قلّب الرأي أصمع
لقد ضلّ من يرجو سواك من الورىكما ضلّ بالبدر الغويّ المقنّع
وأسعد خلق الله ساع مشمّرركائبه تحدى إليك وتسرع
إليك حثثنا كلّ وجناء جسرةمن الشّام تجتاب الفلاة وتذرع
سفائن آل ما تكلّ كأنهاإذا ألّها الحادي النّعام المفزّع
وكتبت إليه، رحمة الله عليه، قصيدة أوّلها:
فرعت ذؤابة) المجد المنيفبما استطرفت من ودّ الشّريف
[و] كان معجبا بهذا المخلص ينسبني فيه إلى الإبداع في الاختراع:
وقلت، وقد سمعت به، لصحبي:صلوا بعرى الذّميل عرى الوجيف
فسرنا ننشق القيصوم ورداونحسو أكؤس السّير الذّفيف
وليس لنا النّديم سوى السّعاليوليس لنا الغناء سوى العزيف
فلمّا أن أنخت به ركابيغفرت جرائر الزّمن العنيف
ولفّ القرب بيتينا جميعافنحن الآن من باب اللّفيف
ومنها:
أقول له، ولم أنفس بنفسيعليه ولا التليد ولا الطريف
فدى لك ما تزرّ عليه قمصيوقمصي لا تزرّ على سخيف
فإني منك في روض أريضدللت به على خصب وريف
ومن زهرات حظّك في ربيعومن ثمرات لفظك في خريف
وكم عاشرت من عصب ولكنتخذتك من ألوفهم أليفي
وما أنا من رجالك في القوافيوأصل اللّعب عرفان الحريف
وأنت إذا ركبت الصعب منهاسبقت إلى مداك بلا رديف
ولي حشف وبي تطفيف كيلوها حشفي مع الكيل الطّفيف
فان تردد عليّ فرهبتي منوإن تحسن إليّ فرغبتي في
فأجاب عنها بقصيدة على عدد القوافي من غير تكرار قافية أوردتها أنا، وهي:
رعاك الله من يقظ أريبيسامق كلّ منقبة مطيف
ومن ينبوع علم مستماحغزير الفهم عن يمّ خسيف
قرنت الفضل إذ برّزت فيهإلى أصل بلا وصم شريف
ومثلك يا عليّ إلى المعاليتجوز مبرّزا أمد السّليف
بهرت بلاغة سحبان قسّوقسّ إيادها وأخا ثقيف
قريضك صادر عن لجّ بحروما نظم الورى ضحضاح سيف
أتتني من نظامك ذات دلّتميط وساوس الوصب الأسيف
محبّرة ظفرت بها فحلّتمحلّ اليسر من نصب مسيف
يقوم لها زهير لو ألّمتبمسمعه على قدم النّصيف
تنوب عن المدام إذا حداهاثقيل الشّدو يقرن بالخفيف
هي الروض الأريض وكلّ نظمتعدّاها بمنزلة العسيف
فيا لله من نظم رصينشريف اللفظ مطبوع رصيف
لك البهج القشيب من المعانيإذا ظفر الأفاضل بالحشيف
مديحك همّتي لا وصف راحتطوف بكأسها يمنى وصيف
ولا أرضى نظيف الوجه إلّابحسن الفعل والحسب النظيف
كأني في جواب سواك مضنىيعلّ صراية الشّري النّقيف
أأمنح ذوب أفكاري جهولابما بين الصّهال إلى الصّريف؟»
ولولا العقل يشفعه انتقادلما عرف الغناء من السّخيف
لقد ظفرت يداي بخلّ صدقكريم منك ذي ودّ وريف
وأصبح مربعي في روض فضلسقاها نوء فكرك بل مصيفي
حباني إذ علقت به عليّودادا غير ممتهن معيف
فتى يأوي مضاف الخطب منهإلى دمث النّدى رحب المضيف
ويودع جوهر الآداب طرسابأرقش طوع أنمله قصيف
يذلّ إذا جرى خذم ورمحله ونفاذ مسنون نحيف
لمثل لقائه تنضى المطاياوتضحي كالقسيّ من الزّفيف
ويسقط من جوانبها لغاملدى الإرقال كالبرس النّديف
ويمسي القارح اليعبوب نضوالكون لحافه قلق الوظيف
شكرت فعاله شكر ابن حجرلسلمى حين حلّ ذرا طريف
فلو حال التّباعد عن دنوّيإليه، وشاطن المرمى القذيف
لجاوزت التنائف بي إليهنجاة الشّدّ جائلة السّفيف
وسرت اليه أقتسر المعاميوأركب كاهل السّنن الظليف
أحاول وصله بسرى ونصّوأهجر موقع السّعي الدّليف
لأنّ إخاءه وزر المواليوفيض نواله كنز الظليف
فخذها تسلب الألباب حسناويسلمها النّشيد إلى الرّشيف
يشفّ جمالها سبكا ومعنىلحوز الحسن من خلل النّصيف
يحوز بحفظها جذلا وأمنافؤاد الغمر في الّلقم المخيف
أمنت من الرّدى وجعلت ذخريفرعت ذؤابة المجد المنيف
قلت، عند انقضاء هذا الكلام، وقد خجلت من مواقع هذه الأقلام:
مدوّن مدح نفسه يقريني السلام.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع