من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
أبو نصر منصور بن ممكان التبريزي
اختصّ من بين أهل تبريز بالتّبريز، وسبك المعاني سبك الذهب الإبريز وفيما أوردته باسمه من هذه الكافيّة كفاية، اذ ليس وراءها في الاحسان
غاية، ولا لها في حسنها نهاية. وهذه أول قصيدة رقيت إلى السمع العالي بديار الشام، لا يزال مقرّطا بجواهر الكلام:
أللعين بين البيض والسمر مسلكإلى هودج واراه ريط ممسّك؟
يخفّ به شوك الأسنة والظّبىكما حفّ بالشمس الشعاع المشوّك
معناه أن الشمس اذا صوّرت نقشت مشوّكة الأطراف:
يزين سنام الأرحبيّ جمالهكما زان صدر الخود ثدي مفلّك
متى اكتنّ فيه»
بيضة الخدر فرقتحواليه طير للقلوب فتشبك
قوله: تشبك، أي تقع في الشبكة. وما أحسن ما لفّق بين البيضة والطير والشبكة، بألفاظ نظمتها ومعان جمعتها!:
ومما يعنّي أنّه متستّروكلّ الورى من عشقه متهتّك
تمثّل لي منه من الحسن هيكلوضلّ به منّي من العشق مشرك
فمن مبلغ عنّي العواذل أننيبتعظيمه ما عشت أغرى وأسدك
أقرّ بأنّ الخلد فيه مصوّروأشهد أنّ الحسن فيه مفذلك
وأعلم أنّ العزّ في سرج سابحمتى فرّ من ذلّ فما هو مدرك
يطير متى قرّطته من عنانهبصلّ تراه دائبا يتحرّك
إذا وطىء الصخر الأصمّ أطنّهبقعب يسمّى سنبكا وهو مدوك
وينبع عين الماء في الصخر كلّماتبدّى كحرف العين في الصخر سنبك
ينشّطه السّيف الذي أنا أنتضيويطر بني الفأس الذي هو يعلك
وما إن يرى مني جماما بمربعإلى أن أرى ربعا سما فيه ملأك
فيا سابحا تحتي ولا ماء تحتهيجمّ بهذا الشرط والشرط أملك
فجلجل صهيلا إن تراءى مطيّبامطنّب خيم بالمعالي ممسّك
يسمّكه من مسّكته مناقببهنّ لمولانا الوزير تمسّك
كما في نظام الملك للملك مفخركذا لقوام الدّين في الدين منسك
ولله في نفس النظام جواهرمحقّقها إسحاقه لا المحكّك
بها زيّن السلطان ترصيع تاجهفراح من التاج المرصّع يضحك
ومنها:
من المجد لا من تبره متموّلمن التّبر لا من مجده متصعلك
وقور السّجايا حين يعصف عاصفمن الخطب، والأجبال منه تدكدك
علا العارض الثّجّاج جودا لأنهإذا جادبكّى وهو في الجود يضحك
لدى جوده للمال يبديه مأخذوفي نصحه للسرّ يخفيه مترك
فأعجب به وقت النّدى وهو باذلوأعجب به حال النّهى وهو ممسك
ونير مواليه مع الجهل عاقلونير معاديه مع الحلم أنوك
تعالى عن الضّيم المسفّ بهمّةتحلّق في (جنب النّعائم) تبرك
خذوا يا رواة الشّعر عنّي مديحهوبالمندل الرطب الزكيّ تسوّكوا
فدى الصارم الماضي يراعا بكفّ منبه بتك الحسّاد وهو مبتّك
ومنها في صفة القلم:
وكم قتل الخصم البعيد بحدّهومن دمه لا من دم الخصم يسفك
يلاقي به الجلّى عذيق مرجّبويلقى به الشّورى جذيل محكك
يسير ويسري للأصادق والعداوعند الرّضى ينجي وفي السّخط يهلك
ويزداد بأسا بالنّحول كأنّمايعدّ نهيكا كلّ من بات ينهك
تملّكت رقيّ وهو رقّ ابن همّةأبى جسمه وشيا بذل يحوّك
وممّا دهاني أنّ شعري منقّحوأنّ الذي يبتاع شعر مركّك
يجول غريبا باسمي الشّعر دائباوفي كل قلب نفسه تتبنّك
وكافيّتي كافيّة لا أبيعهابكافية فيها الوراك وتروك
ولو أبصرتني عين راكب تروكإذا (لرأت بي) سابقا ليس يدرك
ومن بارع شعره قوله أيضا:
بنو اللّطف أبناء الهوى سادة التّجرقلوبهم تغلي وأعينهم تجري
أنا الشّيخ منهم كم تجرت فلم يكنبلا دمعة جفني ولا لوعة صبري
رضيت بحكم الحبّ في القرب والنّوىودنت لأمر الحبّ في الوصل والهجر
وما ابتعت فيه غير خصم من الأسىولا بعت فيه غير عون من الصبر
ولو أنّ أمر (العين والقلب) في يديلكنت أخذت العذر من حبّي العذري
ولكنّ لي (عينا وقلبا) تحالفامع الحب في نفسي فلم يغنني حذري
تخبّر عيني عين قلبي بما ترىويقبل قلبي ما تراه بلا خبر
هو الحبّ قبلي كان، إذ أنا لم أكنوكان مطاع الأمر ممتثل الزّجر
ومن أجله داود أسخط ربّهوباء بثقل الّلوم والإثم والغدر
فإن أنا من أسراه أصبحت واحدافقل في سبيل الله كوني في الأسر
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع