من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
أبو الحسين مهيار بن مرزويه الكاتب
شاعر له في مناسك الفضل مشاعر، وكاتب تجلّى تحت كل كلمة من كلماته كاعب، وما في قصيدة من قصائده بيت يتحكم عليه، لو وليت فهي مصبوبة في قوالب القلوب، وبمثلها يتعذر الزمان المذنب عن الذنوب. أنشدني الشيخ أبو محمد الحمدانيّ قال: أنشدني عزّ المعالي قال: أنشدني مهيار لنفسه:
أستنجد الصّبر فيكم وهو مغلوبوأسأل النّوم عنكم وهو مسلوب
وأبتغي عندكم قلبا سمحت بهوكيف يرجع شيء وهو موهوب؟
رضاه أسخط أم أرضى تلوّنهوكلّ ما يفعل المحبوب محبوب
أستودع الله في أبياتكم قمراتراه بالغيب عيني وهو محجوب
[ما كنت أعلم ما مقدار وصلكمحتّى هجرتم، وبعض الهجر تأديب]
وأنشدني القاضي أبو جعفر البحّاثيّ قال: أنشدني أبو محمد عبد الله بن أحمد الواسطيّ قال: أنشدني مهيار لنفسه:
بالكرخ مترفة الخطاتهب الغصون لها القدودا
أخذ الغزال نفارهاوأعاضها كفلا وجيدا
قد كان رثّ هواي وابتسمت فردّته جديدا
وله أيضا:
من بسلع مطلع ليقمرا طال مغيبه
وأصيلا بالحمى نغغص بالعاذل طيبه
كلّ شيء حسن في العين فالعين تصيبه
عنّفوا القلب على قاتله وهو حبيبه
وأقلّ الناس ذنباقادر عدّت ذنوبه
وله في الجلنّار:
وجلّنار مشرفعلى أعالي شجره
كأنّ في رؤوسهأحمره وأصفره
قراضة من ذهبفي خرقة معصفره
[قلت]: ووجدت في ديوان شعره بائية في نهاية الابداع، وهي:
هل عند عينيك على غرّب؟غرامة للعارض الخلّب؟
نعم دموع يكتسي تربهمنها، قميص البلد المعشب
سارية تركب أرادفهامعلّقات بعد لم تسرب
علامة أنّي لم أنتكثمرائر العهد ولم أقضب
يا سائق الأظعان لا صاغراعج عوجة ثم استقم فاذهب
دع المطايا تلتفت إنّهاتلوب من جفني على مشرب
لا والّذي لو شاء لم أعتذرفي حبّه من حيث لم أذنب
ومنها:
ما حدرت ريح الصّبا بعدهلثامها عن نفس طيّب
يا ما طلي بالدّين ما ساءنيإليك ترديد المواعيد بي
إن كنت تقضي ثم لا نلتقيفدم على المطل وقل واكذب
ومنها:
سال دمي يوم الحمى من يدلولا دم العشّاق لم تخضب
قد سدّ شيبي ثغري في الهوىفكيف قصّي أثر المهرب؟
أفلح إلّا قانص غادةمدّ بجبل الشّعر الأشيب
شيات أفراس الهوى كلّهاتحمد فيهنّ سوى الأشهب
وله من قصيدة أولها:
سافر بطرفك واشترف هل تعرفأنّى سرى برق بوجرة يخطف
هبّ اختلاسا ثم غمّض موهناوعلى الرّجال نواظر ما تطرف
واشتاق صبحي أن يضىء ودونهمن شملة الظّلماء ستر مسدف
وكأنّما ضحكت لهم بوميضهخنساء، فهو بكلّ خطّ يرشف
بعث الغرام) لمدلجين جرت لهمطير الفراق بوارحا فتعيّفوا
حملوا (الخدود على أكفّ) موطلتبالنوم، فهي عن المخاضة تضعف
يا سائق الأظعان إنّ مع الصّباخبرا لو انّك للصّبا تتوقّف
هبّت بعارفة تسوق من الحمىأرجا بريّا أهله يتعرّف
فبردت بين عنيزتين وصارةكبدا إلى أهل الحمى تتلهّف
قلت: هذا لعمري كلام أنيق غضّ كما نشر [أزهارا] عصبه على الرباع ربيع، ونظام مليح عذب، والملح مع العذوبة بديع.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع