من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
السيد الرضي الموسوي
﵁، له صدر الوسادة بين الأئمة والسادة. وأنا إذا مدحته كنت كمن قال لذكاء: ما أنورك!. ولخضارة: ما أغزرك! .. وله شعر إذا افتخر به أدرك من المجد أقاصيه، وعقد بالنجم نواصيه. وإذا نسب انتسبت رقّة الهواء إلى نسيبه، وفاز بالقدح المعلّى في نصيبه
حتى إذا أنشد [ني] الراوي غزلياته بين يدي العزهاة لقال له:
من العزّهات. وإذا وصف فكلامه في الاوصاف أحسن من الوصائف والوصّاف. وإن مدح تحيّرت فيه الأوهام من مادح وممدوح، له بين المتراهنين في الحلبتين سبق سابح مروح. وإن نثر حمدت منه الأثر، ورأيت هناك خرزات من العقد تنفضّ، وقطرات من المزن ترفضّ.
ولعمرى إنّ بغداد قد أنجبت به فبوّأته ظلالها، وأرضعته زلالها.
وأنشقته شمالها. وورد شعره دجلتها، فشرب منها حتى شرق، وانغمس فيها حتى كاد [أن] يقال: غرق. فكلما أنشدت محاسن كلامه تنزّهت بغداد في نضرة نعيمها، وانشقّت من أنفاس الهجير بمراوح نسيمها.
فمن عقد سحره وعقود درّه قوله في مطلع قصيدة [له]:
وظبية من ظباء الإنس عاطلةتستوقف العين بين الخمص والهضم
لو أنّها بفناء البيت سانحةلصدتها وابتدعت الصّيد في الحرم
[قدرت منها بلا رقبى ولا حذرعلى الذي نام عن ليلي ولم أنم]
بتنا ضجيعين في ثوبي هوى وتقىيلفّنا الشوق من فرق إلى قدم
وأمست الريح كالغيرى تجاذبناعلى الكثيب فضول الرّيط واللّمم
يشي بنا الريح أحيانا، وآونةيضيئنا البرق مجتازا على إضم
وبات بارق ذاك الثّغر يوضح ليمواضع اللّثم في داج من الظّلم
قلت: أخذه من سيدوك الواسطيّ:
ألثمه في الدّجى وبرق ثناياه يريني مواقع اللثم
وله أيضا [عفي عنه]:
ليس الفناء بمأمون على أحدولا البقاء بمقصور على رجل
تعزّ ما اسطعت فالدّنيا مفارقةوالعمر يعنق والمغرور في شغل
والعقل أبلغ من عزّاك عن جزعوالصّبر أذهب بالبلوى من الوجل
وله [أيضا]:
صحبت الرجال الخابطين إلى العلافثبّطني لؤم الزمان وأسرعوا
تردّ سهامي الحادثات طوائشاوفي قوس عزمي، لو تنوّع، منزع
أصرّف فهمي والمقاول سرّعوأملك حلمي والعوامل شرّع
وله [أيضا]:
رأت شعرات في عذاري طفلةكما افترّ طفل الروض عن لؤلؤ الوسمي
فقلت لها. ما الشّعر سال بعارضيولكنّها نبت السيادة والحلم
يزيد به وجهي ضياء وبهجةوما تنقص الظلماء من بهجة النّجم
وله [أيضا]:
جنى وتجنّى والفؤاد يطيعه،فيأمن أن يجنى عليه كما يجني
إلى كم تسيء الظّنّ بي متجرّماوأنسب سوء القول فيك إلى الظنّ؟
ووالله لا أحببت غيرك واحداأليّة برّ لا يخاف فيستثني
فإن لم تكن عندي كسمعي وناظريفلا نظرت عيني ولا سمعت أذني
وإنّك أحظى في جفوني من الكرىوأعذب طعما في فؤادي من الأمن
وله [أيضا]:
عطون بأعناق الظّباء وأشرقتوجوه عليها نضرة ونعيم
أمطن سجوفا من خدود نقيّةصفا بشر منها ورقّ أديم
شفوف على أجسادهنّ رقيقةودرّ على لبّاتهنّ نظيم
غرامي جديد بالدّيار وأهلهاوعهدي بهاتيك الطّلول قديم
وله أيضا:
يا ظبية القاع ترعى في خمائلهليهنك اليوم أنّ القلب مرعاك
[الماء عندك مبذول لشاربهوليس يرويك إلّا مدمع الباكي]
حكى لحاظك ما في الرّيم من ملحيوم اللقاء وكان الفضل للحاكي
أنت السّلوّ لقلبي والغرام لهفما أمرّك في قلبي وأحلاك !!
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع