من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
ابنه أبو الشرف عماد
اجتاز بناحيتي، فاعتددت به واغتبطت، واستكرمته فارتبطت.
ووجدته شابا، أورثته الفضائل آباؤه، ودلّ عليهم سيماؤه، لولا سوء خلق ربما قمصت به نزواته، وشيطان سوء ربّما استهوته نزغاته. وقد قرأت في (رسائل أبي الفضل البديع) الهمذاني:
«للشيطان نزغات، وللشبان نزقات، ولكن يربعون إذا جاء الأربعون».
وهذا الفاضل اطّلع شرف الأربعين وهو كالمهر الأرن قمّاص، وعلى إبقاع الزّقّ رقّاص. وأدّب أولادي حولين كاملين، ولكن لم يتمّ الإضاعة، إلا لمن أراد أن يتمّ الرّضاعة. فأصبحت يوما فاذا هو قد عرّى جنابي من نفسه، كدأبه في سياحته، ومغافصة وثبته من عند كلّ كريم، أناخ بساحته.
وله شعر ليس كشعر أبيه، ولكنّ النسب [الكريم] العريق قد أسأر أثرا فيه، وذلك كقوله:
ألا علّ العلا تمسي فريسيأنا الضّرغام والأقلام خيسي
وبالهنديّ ما أهدى ابن هندووضرب الهام في يوم عبوس
وما في منتدى الفتيان مثليولا في ملتقى الشّجعان لي سي
وكفّي بالرّماح السّمر أولىولكن قد عداني اليوم بوسي
ولا طرف لديّ ولا حسامولا آلات أبناء الخميس
فإن أعن اغتربت إلى كرامحماة حقائق في الرّوع شوس
وموتي في الوغى بالسّيف أشهىإليّ من المدام الخندريس
لأنّي لا أرى للمرء بدّامن الموت الموكّل بالنّفوس
وأنشدني لنفسه:
أروم المعالي مرّة بعد مرةوأجعل عرضي عرضة للشّدائد
وأجعل عزمي فيه رائد همّتيوعزم الفتى في أمره خير رائد
فإمّا أصد مجدا وإمّا يصيدنيمريح حمام صائد كلّ صائد
وأنشدني أيضا لنفسه:
ألا كلّ شيء فيه للروح راحةتركت لكم حتى الرّياحين والرّاحا
وحتى صباحا كالمصابيح في الدّجىوحتّى صبوحا حين أصبح مرتاحا
أخالفكم في كلّ شيء لبغضكموإن كان فيه ما يوافق إنجاحا
وأنشدني أيضا لنفسه:
قد كنت من زمني قبل الهوى زمنافالآن بينهما أصبحت مرتهنا
لم يقض لي وطرمذ كنت في وطنيفاخترت سرج جوادي والفلاوطنا
كأنّ قلبي سفين الهمّ من قلقوأنّ صبري مرسى يرفأ السّفنا
وكان لأبي الشرف هذا أخ من أبيه، يكنى أبا السّماح، فحدّثني [أنّ] أباه هجاه بهذه الأبيات:
دعاوي الناس في الدّنيا فنونوعلم الناس أكثره ظنون
وكم من قائل أنا من فلانوعند فلانة الخبر اليقين
ورأيت في ديوان أبي الفرج أبياتا أظنّ أنه خاطب بها أبا السماح ابنه بوصيّة [وهي]:
صدّق أباك أبا السّماح فقد كناك أبا السّماح
[اسمح بمالك للعفاة وحرّ وجهك للكفاح]
افعل فانّك حامدلسراك في فلق الصّباح
أبو حنيفة محمّد بن محمد الراميني الاستراباديّ
إنسان كلّه احسان. أنشدني له الشيخ أبو عامر، قال: أنشدني لنفسه:
هل عثرت أقلام خطّ العذارفي مشقها؟ فالخال نضح العثار
قلت: تلفيقه بين الخطّ والأقلام، واشتقاقه الخال من العذار، وتسميته إيّاه «نضح العثار» سحر وليس بشعر:
أو استدار الخط لمّا غدتنقطته مركز ذاك المدار
قلت: وجمعه بين النّقطة والدّائرة نكتة في أفواه الرّواة سارية سائرة:
وريقه الخمر فهل ثغرهدرّ حباب نظمته العقار؟
قلت: وهذه هي الصّنعة الثالثة، والثالثة خير، وهذه الأبيات كلّها خير ومير. قال الشيخ أبو عامر: ومن شعره الذي أنشدنيه لنفسه، وقد رأيت له جيمية في نهاية الحسن، وهي:
أذكى الخزامى سرعان الدّجىألطف ما أذكى وما أرّجا
وافترّ (ثغر النجم) مستغربايتلو الصّباح الأزهر الأبلجا
فأشبها مبسمه والدّجىأشبه أيضا صدغه إذ دجا
وهو وإن أبدى كخدّيه ليبدرا هدى ساريه المدلجا
فوّتني الشّمس التي اعتضتهامنه فديت المحزن المبهجا
بدري اجتوى الجوّ وغمّاءهفاستوطن الكلّة والهودجا
وشادني عاف الفلا عزّةفشيّد القصر له تولجا
في صدغه المرخى على خطّهمقيّدا بالخال حرف الهجا
كأنّما أرّج حسبانهكاتبه، أحسن ما أرّجا
مالي والدّرع صوان الورى؟صرت بدرع الصّدغ مستدرجا
وحفّني دامي دموعي فلمضرّج من خدّيه ما ضرّجا؟
أخسرني مالي وعقلي الهوىومابي المال بعيد الحجى
إذ هوّن المال لسؤّالهشمس الكفاة الملك المرتجى
يعير برج المشتري سرجهإذا امتطى مركوبه المسرجا
جالت به الأفراس سيّاحةكالشّمس إذ ناوبت الأبرجا
ومنها:
يا خير من ولّي مستوزرامملكة أشرف من توّجا
هو اجتباه واجتوى غيرهومن هوى العود نفى العرفجا
فرّج عن أهل التّقى كربهملله ما جلّى وما فرّجا
من طبّق المفضل إمّا برىوغرّق المنصل إمّا وجا
أخدمت أشعاري بابا أبىعلى قضايا الجود أن يرتجا
في حلل بالمدح موشيّةلم تعهد المنوال والمنسجا
فليحظ وليسعد بأيّامهعيّد أو نورز أو مهرجا
قلت: وأنشدني لنفسه من قصيدة في الشيخ [العميد] أبي بكر القستاني:
هل لظلام الّليل من حادأو لضلال الصّبح من هاد
أين نسيم الرّيح مستحقباأعلام ضوء الفلق البادي؟
أهلا به إن كان يهدي الصّباتحيّة من فلج الوادي
كم ليلة بتّ لميعادهمنتصب المسمع والهادي
شائمة منه عيون المنىخلّب ميقات وميعاد
ومنها في المديح:
يا أيّهذا القمر المجتلىبين ظلام الزّمن الغادي
[أخلق بذاك الدّست برجا فقدحفّ بضوء القمر البادي]
[وأنشدني الشيخ أبو عامر قال: أنشدني لنفسه قوله:
أنا الرّميّ بسهم الّلحظ إذ رشقافلم يدرّع من أصداغه الحلقا
وكيف والقمر الوضّاح وجنته؟أصبحت محترق الأحشاء مختنقا
وقوله:
قد كان برّح بي العشق التّليد فمنيجيرني من جديد فيه مطّرف
آذتك عودا على بدء محبّتهوالنّكسر في كلّ داء واعد التّلف]
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع