من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
الأستاذ أبو الفرج بن هندو القمي
كأنّ الفضل لم يخلق إلّا لأجله، فهو أمير النظم والنثر بخيله ورجله.
وقد ظفرت بديوانه فلم أجنح للتّجافي عنه والتخطّي، وأثبتّه على ما فيّ من الملال بخطّي. فكنت فيه كالغوّاص ينفرد بذاته في طلب الفرائد، ويخرج من الحمأ حصى القلائد. وناهيك بشعره جدا وهزلا، وبنثره حديثا وغزلا.
ولم أرد أن يكون كتابي هذا من حليه عاطلا وألّا يجود رياضه ذلك الغمام هاطلا. فكتبت منه ما هو الماء الزلال والسحر الحلال. أنشدني ابنه أبو الشرف [عماد]، قال: أنشدني والدي، ﵀، لنفسه:
يا سيف إن تدرك بحاشية اللّوىثارا جعلت له غرارك غارما
أجعل قرابك فضّة مسبوكةوأصغ عليك من الزّبرجد قائما
كن للرؤوس، فدتك نفسي، ناثراكيما أكون لمدح نظمك ناظما
هل أرضعتك صياقلي ماء الرّدىإلّا لترضعني الدّماء سواجما؟
وله [أيضا]:
أسحّي دمي يا أمّ عمر وأو احقنيقليل لدينا أن يباح لك الدّم
إذا هو لم يسفك بسيف فإنّنيأصيّره دمعا على الخدّ يسجم
وله [أيضا]
خلع (الجمال على عذارك) خلعةخلعت قلوب العاشقين غراما
قد تمّ حسنك بالعذار فمن رأىقمرا يكون له الكسوف تماما
قلت: وقد اتّفق لي معنى يقرب من هذا، وذلك قولي:
وجه حكى الوصل طيبا زانه صدغكأنه الهجر فوق الوصل علّقه
وقد رأيت أعاجيب الزّمان ومارأيت وصلا يكون الهجر رونقه
وأنشدني الدّهخدا أبو سعد بن عليّ بن سيف بالرّيّ، قال: أنشدني ابن هندو لنفسه:
وعهد شباب قد خلعت جديدهعلى خلّبيّ الودّ غير أمين
نجلت له سرّ الهوى وأبحتهحمى النّصح، إني ناصح لقريني
إذا قلت قد أعطى القياد، رأيتنيألفّ على كفّيّ حبل حرون
فلما (تأبى قلبه) غير خفقةودّ كبيت العنكبوت طنين
أطرت غراب البين في عرصاتهوقلت: تأمّل، غير دينك ديني
وودّعت أسباب الصّبابة بعدهفأخفيت دمعي واختزنت حنيني
ولي مثل قوله في صديق مهلهل الودّ، سخيف العهد:
ألا ربّ مولى غرّني من عهودهيمين عليها صافحتني يمينه
أكابد منه ضدّ ما أستحقّهفأصدق في ودّي له ويمين هو
عجبت لأخلاق اللّئام كأنّهمعن الكرم المعجون في شيمي نهوا
ولأبي الفرج:
كانت ليالينا قصرن بوصلكمحتى رماها هجركم فأطالها
وإذا الدموع جمدن عند جفائكمأهوى لها حرّ الهوى فأسالها
لو شاء من شغل الفؤاد بحبّهلأعاد أيام الحمى وأدالها
وله:
أيا أملي دون كلّ الورىإلام تخيّب منّي الأمل؟
وحتّى متى أنا في لم وقدوسوف (وكلّا ولم لا) وبل؟
ألست الذي يلتوي دونكمببيض السّيوف وسمر الأسل؟
ولو جاء أمركم لي بأنأموت إذا متّ قبل الأجل
فسقيا له إن دنا أو نأىوحلّ بعرصتنا أو رحل
إذا زارني خفت أعداءهفأخفي مواطئه بالقبل
وما هجرتي بابه عن قلىولكنّها لفناء العلل
وله:
رياض أمانيّ الرجال أنيقهوأغصان أطماع الرّجال وريقه
ومن لحظ الدّنيا بعين حقيرةفقد حفظ الدنيا بعين حقيقه
وله:
وهمّة في المعالي كنت أكبتهازرّي مخافة أن تجني على عنقي
أباحها السّكر مني فامتلا حسداخلّي، وأرعد ندماني من الفرق
هل تحفظ الكأس يوما سرّ صاحبهاوسرّها غير محفوظ من الحدق؟
وله يهجو:
يؤلمه مضغي من خبزهكأنّني من جسمه أمضغ
وقبل أن أهوي إلى لقمةيصيح: يا ربّ متى يفرغ؟
بين يديه الميل والتخت كييحسب ما يبلع كم يلغ؟
وله:
ألامن لقلب بالفراق مروعودفّاع جمر صبّ بين ضلوعي
وقرطاس خذّ في هواك مشقتهبأقلام هدبي من مداد دموعي
وله:
وإنّ لصرف الدّهر بين جوانحيوقائع، أنفاسي لهنّ عيار
تولّى شبابي فارتديت الرّضى بهولا عجب أن يستردّ معار
وقالت تفاريق الشّباب بلمّتي:تمتّع فما بعد العشيّ عرار
وله [أيضا].
كأنّ الزّمان فسا على الأحرارفالآن لطّخهم بسلح جار
وكأنّ قولنج النّذالة مسّهفاستفّ من إهليلج الأدبار
وله:
إذا ما عقدنا منّة عند جاحدفلم نره إلّا حرونا عن الشّكر
رجعنا فعقّبنا الجميل بضدّهوقلنا له: ها، فالق عاقبة الكفر
وله في [صفة] المسرجة:
ناظرة من شفتيها بهاقد أبصرت عيني ولم تبصر
إن يسقني الكأس نديمي أنموهذه إن تسقها تسهر
وله:
أبى عزمة السّلوان قلب متيّميمدّ التّسلّي عشقه بمرود
جليد إذا حرّ الحديد أصابهوليس على حرّ الهوى بجليد
فلا تعذلا قوما لهم عند عشقهمعزائم صعو في قلوب أسود
وله:
لعن الله مبدع التّفخيذقد أتى، لا أتى بغير لذيذ
أيّ طيب ولذة لخليعشرب الماء شهوة للنّبيذ
وله
دعتني الرّبا من بعد فقلت لها»لا شجّجت في محطّ الضّيم أوتادي
كفّي فما لك عندي غير ملجمةتختال ما بين إصداري وإيرادي
إن لم أرعك بخيل الصّبح موقرةأسدا معبّأة في نسج زرّاد
فلا لقيت أخلّاء بأرضك ليولا تسمّى بغير اليتم أولادي
وله:
تالله تعدرني العلاوالكأس تمرح في يدي
والحرب لم تضرب بناخيشوم نقع أربد
ورؤوس أعدائي جثوم لم تطر بمهنّد
ويلمّ دهر لا يسللمني لطعن أجرد
قلقت بنا أيامهفكأنّنا في مزود
أرجو غدا وأقول علل غدا ومن لي بالغد؟
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع