من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
الإمام أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن
اتّفقت على إمامته الألسنة، وتجمّلت بمكانه وزمانه الأمكنة والأزمنة.
وأثنى عليه طيب العناصر، وثنيت به عقود الخناصر. فهو فرد في علمه الغزير، لا بل هو العلم الفرد في الأئمة المشاهير. وقد أفادني الشيخ أبو عامر ممّا ألقاه بحر الفضل على لسانه، ما نطق لسان الدّهر باستحسانه.
ولست فيما فاتني من كريم مشاهدته، واشتيار لذيذ الشّهد من مذاكرته أيام أسعدتني الأيام منه بدنوّ الدار، ولفّ أطناب الخيمتين قرب الجوار، إلّا كمن ودّع الماء والخضرة، وتدرّع الشّعثة والغبرة، وواصل الغربة، وفارق الوطن، وبعد عن (مغاني للعين) وشطن، واستسقى الدّلو والشّطن. فلما خلّف هذه الخطط الصّعبة، وشارف من بين سائر الخطط
الكعبة قلت: والله هذا وصف تتطلّع اليه الأحداق، وتتحلّب عليه الأشداق، قوله:
وبمهجتي يا عاذلي قمرقد شفّني في حبّه السّقم
فإذا جرى طلقا أضرّبهنفس الصّبا فتشوّش الّلمم
وتطايرت أهداب مذهبهكسدت عليها الطّرز والعلم
وقوله في معنى لم يسبق إليه:
علّقتها ببضاء طاوية الحشاتسبي القلوب بحسنها وبطيبها
مثل الشّقائق في احمرار خدودهاللنّاظرين، وفي اسوداد قلوبها
ومن أبكار معانيه قوله:
ونائم عن سهري قال ليوقد طواني حبّه طيّا:
أأنت حيّ؟ قلت: [لا] إنتبهفالميت في النّوم يرى حيّا
ومن حكمته التي لا يجمح السامع في حكمته قوله:
عوّد لسانك أن يلين على الخطابة والخطاب
وتعهّد الفكر الجديد بصونه في كلّ باب
فتأكّل السّيف الصّقيل بطول لبث في القراب
وقوله:
لا تنكرن حقّ الأديب لأن تعرّى من ثيابه
فالسّيف أهيب ما يكون إذا تجرّد من قرابه
وقوله:
ما في زمانك ماجدلوقد) تأمّلت الشّواهد
فاشهد بصدق مقالتيأو لا فكذّبني بواحد
وقوله [أيضا]:
تختّم في اليسار فلست تلقىطراز الكمّ إلّا في اليسار
وما نقضوا اليمين به ولكنلباس الزّين أولى بالصّغار
لذاك ترى الأباهم عاطلاتوهنّ على الأكفّ من الكبار
وقوله:
إنّي بليت بحاجب حجب الورىبمطاله عن نيله المطلوب
أبت الملاحة أن تفتّح جفنهإلّا بقدر تبسّم المكروب
وأنشدني لنفسه من أبيات له قالها للشيخ أبي علي الحسن بن أحمد الخوافيّ يصف ترجّحه للنّكبة الواقعة برجله. ومن مدح رئيسا بالعرج، فحدّث عن فضله ولا حرج. ولم أسمع بمثله في فنّه:
وقد يستقيم المرء فيما ينوبهكما يستقيم العود من عرك أذنه
ويرجح من فضل الكمال إذا مشىكما رجح الميزان من فضل وزنه
وأنشدني لنفسه أيضا:
استرزق الله فالأرزاق في يدهولا تمدّ إلى غير الاله يدا
وحاذر الدّهر أن يلقاك منفردافمهرق النّرد مأخوذ إذا انفردا
وقوله:
أتشكو أم كذلك؟ فالتّصابيقبيح بعد شيب العارضين
ولا ترج الشّباب يعود يوماوإن نعموا بعود القارظين
[قوله: «أم كذلك؟» اختصار تقف مطايا الاحسان هنالك].
وقوله في الأوصاف:
يا ربّ كوماء خضبت نحرهابمدية مثل القضاء السابق
كأنّها والدّم جاش حولهاسوسنة زرقاء في شقائق
وقوله في معنى عنّ له:
سبحان، كيف محا العذارسناء ذا البدر المحجّب؟
قد كان كالظّبي الغرير فصار كالقرد المذنّب
وجه كجوز الهند فيذقن كليف الجوز أهلب
وعمامة كالدّنّ فوق قفا من الإدبار أجرب
قد كنت أهوى أن أراهـ وأن يغنّيني فأطرب
فالآن لا أختار أنألقاه إلّا وهو يصلب
وله في مجون بالجدّ معجون:
ادّرع الصّبر وكن آخذابالرّفق والاشفاق والخوف
ولا تكن أعجل من فيشةعنانها أطلق في الجوف
ومن أهاجيه التي تنساب أفاعيه، قوله فيمن أهدى إليه نزرا، وجعل مدّ الاحسان جزرا:
أوجعت قلبك إذ أهديت لي مائةفالله يجزيك مني يا أبا الفرج
الضّرط في ذقنك المنتوف شاربهوالأير في است أمّك المهتوكة الشّرج
وله [أيضا]:
ياذا الذي ضاف أبا مجدفبات في جوع وفي جهد
تغدّ في البيت إذا ضفتهفخبزه في ريعة الندّ
وقال يذكر غلاما له، زعموا أنّه يريد أن يهرب على فرسه، وهو من أملح ما سمعته:
أتهرب مع فرسي يا خبيث؟أراحني الله من شرّكا
ولست أظنّك تقوى عليهوإن أنت دقّقت في مكركا
فانّ مقيلي على ظهرهوإنّ مبيتي على ظهركا
وله يهجو انسانا ملقوّا، استقبحه ملقيّا، فاتّخذه مقليّا:
لم تر خلقا رأى الخليل فلميعتب عليه لقبح منظره
كأنّه رام من سفاهتهعضّ شبا أذنه بمشفره
وله يهجو خطيب استراباد:
أما تستحي ويك من منظركومن سوء ما شاع من مخبرك
وتزعم أنّك أنت الخطيبفلم يخطبون على منبرك؟
وله يتأسّف على مواريث الشيخ الرئيس أبي ربيعة، ﵁، ووقوع الورثة فيها/ وقوع السّوس في الخزّ، والسّرحان في السّرح، مصروفة عن مفترضاتها الى غير جهاتها:
برغمي أن أرى في كلّ يومتراث أبي ربيعة في المعاصي
فشطر في مراودة البغاياوشطر في أباريق الرّصاص
فلا في الجود مصرفهنّ يوماولا في شبع أيتام خماص
ألا فسقى الاله ضريح عمروبوارق غير مخلفة النّشاص
وإن خلّاهم فينا تيوساتناطح كلّ يوم بالصّياصي
أراذل حين تخبرهم تراهموما هم باللّباب ولا المصاص
وكان فساد مولدهم يقينامن الأمّ اللّموح من الخصاص
فقد شمطت ذوائبها وليستعلى أمر سوى فتل العقاص
إذا ودقت سمعت لها رغاءكما يرغو الفقير من القلاص
فجذّ الله دابرهم فما همسوى غيظ الأداني والأقاصي
وأنشدني لنفسه:
قالوا: أبو زيد وكميسىء فيك المحضرا
فقلت: لو أحسن في القول لكان أجدر
فإنّني عبد لهمن القديم مشترى
لكنّه مستهزىءبهتك أعراض الورى
لذاك قد أولع بييقتات لحمي من ورا
وليس يدري أنّهمساور ليث الشّرى
وأنّه في ندبأعظم فيه الخطرا
وقد أخذت رخّهوشاهه على العرا
فليحذر النار الّتيتسقط هذا الشّررا
وسوف يدري أنّهإن استمرّ في الكرى
أيّ عجاج فتنةساطعة قد نوّرا
وأيّ فحل قطمأضجره فجرجرا
وكم يداري عكّةمملوءة من الخرا
وله يذمّ أهل نيسابور:
أرى أهل نيسابور كالمعدن الذيينال الجدا منه بحفر المعاول
إذا فزعوا كانوا بغاثا مسفّةوإن أمنوا طاروا بريش الأجادل
وله في معنى لم أعهد مثله في فنّه:
أقول له لمّا تلبّس خلعةتحشرج فيها من أولي العلم عالم
رأيتك مثل النّعش لم ير لابسالخلعته إلّا وفي الحيّ مأتم
وله [أيضا]:
ألم تر أنّي ذممت الزّمانلخسّة نابتة ناشيه؟
وأصبحت في جانب منهمكما أخذ الرّخّ في الحاشيه
أمزّق أعراضهم دائباكما وقع الذّئب في الماشيه
وأدعو إلى ذمّهم آخرينكما دعت الآبي العاشيه
فلومهم وهجائي لهملدى الناس أحدوثة فاشيه
فما بهم حاجة في البيانإلى سعي واش ولا واشيه
عبيد ترى لهم راكبينعبيدا بأيديهم الغاشيه
قلت: وعلى ذكر الغاشية، لي أبيات في معناها، ختمتها باقتباس من القرآن [العظيم]، وهي [هذه]:
كم راكب لم يترجّل ماشياوعقله دون عقول الماشيه
تعجبه غاشية يحملهاأمامه في السّوق بعض الحاشيه
لم يأتني حديثها قبل فهلأتاك يا صاح حديث الغاشيه؟
وللشيخ أبي عامر في صفة الرّمان:
خذوا صفة الرّمّان عنّي فإنّ ليلسانا عن الأوصاف غير قصير
حقاق (كأمثال الكرات) تضمّنتفصوص بلخش في غشاء حرير
وله [في معناه] [في النّرجس]:
يا نرجسا لم تعد قامتهسهم الزّمرّد حين ينتسب
فرصافه عظم وقذّتهقطع اللّجين وفوقه الذّهب
وله في معناه:
وسهم من الميناء فضّض ريشهبقدرة [خلّاق] وذهّب فوقه
يغايظ أحداق الغواني وإنّهاتراجع إن قيست به ويفوق هو
وأنشدني لنفسه في الهجاء:
كسوك ثيابا لها روعةفأصبحت تنشط أو تطرب
وقد خزي الخزّ لمّا علاككما السّكب أدمعه تسكب
فلا تعجبنّ بتذهيبهإذا كنت بالفضل لا تعجب
فإنّ تذاهيبه تذهبوشيطان وجهك لا يذهب
وله في غرض اقترح عليه، وسئل أن ينظم في معناه هذه القوافي:
أمّ عيّاش فتاة خبأهضروة عادية كالّلبؤه
زولة إن وعدتنا زورةأنجزتها، فعليها تكأه
كلّما رمت مبيتا عندهاطلبت مني صعود المربأه
وإذا حاملتها في حجرهافضحتني بصياح الحدأه
لو بأير الفيل نيكت لم تكنمع أير الفيل إلّا هزأه
ما لنا لسنا نرى أولادهاغير جبس أو لئيم زكأه؟
وله في المدح:
[ملك المشارق والمغارب كلّهابصرير أرقم ليس بالمنساب
لم يشق في سنن التّراب وإنّمايستنّ بين أنامل أتراب]
قلت: فهذه أشعار، أهاجيها نوادر حارة، ومدائحها غنائم باردة، وأوصافها معشّقة، وغزلياتها مفسّقه. وليس يتّسع نطاق الكتاب لأكثر ممّا أثبتّ. وقد أمسكت العنان، وانصرفت عن الورد عطشان.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع