من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
الشيخ الرئيس أبو المحاسن سعد بن محمد بن منصور
الإمام المختلف إليه، والهمام المتّفق عليه. لم تخرج فتى مثله الفتيان، ولم تر العيون نظيره في الأعيان. واتّفق أنّي خيّمت في معسكر السّلطان الشهيد طغرل بك، ﵁، بظاهر جرجان.
وكنت يومئذ مرشّحا لديوان الرسالة، وموشّحا بحشمة الكتابة. والوزير
رئيس الرؤساء الصاحب أبو عبد الله الحسن بن عليّ بن ميكائيل، يجذب بضبعي من بين نظرائي، ويخصّني بالرّعاية والعناية من بين أكفائي.
ولعلّ الرئيس أبا المحاسن، رحمة الله عليه، كان سمع بخبري أو وقف على أثري، فحضر ديوان الوزارة ودلّته الفراسة عليّ، فقسم طرفه بين طرفيّ، [وهو متردّد الرأي بين الشكّ واليقين، متشعّب المذهب بين] التّحقيق والتّخمين. فابتدأته بالسلام، وقمت ماثلا أمام ذلك الامام، وقلت:
«أنا ذاك الذي ظننت، وأنت في صدق الفراسة أنت. فأقبل عليّ، وقبّل بين عينيّ»، وقال: «مرحبا بقادم له عندنا محلّ الاخاء »، فقلت: «قادم ولكن بالخاء ». فتعجّب من حضور جوابي، وأعجب بي وبآدابي، وأثنى عليّ في ديوان الوزارة بما طرّز به كمّ جاهي وقدري، وشرح للرأي الصاحبيّ من أحوالي ما انشرح له قلبي وصدري. وزرته في مقرّ عزّه بجرجان من الغد، ورتعت عنده في ظلّ الرّغد. وتجاذبنا أهداب المذاكرة بياض نهارنا، وشطرا من سواد ليلنا؛ وجرى بيننا من الفوائد ما تخيّرته الغواني لأوساط القلائد. ومدحته بعد ذلك بقصيدة دالية مطلعها:
عجبت لطيفها أنّى تصدّىوأومض بالتّواصل ثم صدّا
نصبت لصيده أشراك نوميوصاح الانتباه به فندّا
هو الطاووس زيّا واختيالاولكن كالقطا ليلا تهدّى
فلمّا بلغت هذا البيت قال: «ما أحسن ما جمعت في المعنى [بين] هذين الطائرين؛ قد طيّرتهما على ألسنة /الرّواة سائرين »، وتخلّصت إلى المدح. فلمّا سمع قولي [فيه]:
علا همما فليس يهشّ إلّاإلى قرص السّماء إذا تغدّى
هزّ إليّ ملاث العمامة، وشهد لي في الصنّعة بالإمامة. حتّى انتهيت إلى قولي:
من القوم الذين إذا استمدّواندى فضحوا الخضمّ المستمدّا
فلا ودّوا لرأس العزّ شجّاولا شجّوا بدار الهون ودّا
قال: هذا مقلوب ترتاح إليه أسماع وقلوب. واتّفق أني أنشدت هذه المدحة في الجامع بجرجان بعد الانتقال من المكتوبة، وانقضاء المجلس المعقود للنظر ومن الحاضرين هناك الشيخ أبو عامر، أدام الله فضله، وهو المعنيّ بكلامي؛ يمشط أصداغه، ويخلط أصباغه، ويعمّر بلسان التّحسين نواحيه، ويخلّق بأنشام التّزيين أقاحيه.
وليس بين السّاعة وبين عرض بزّه ونشر طرزه، إلّا كالوقت بين الورد والقرب. وسيرد عليك من محاسن أشعاره ما تفخر به دواوين العرب.
فممّا أنشدني [الشيخ] الرئيس أبو المحاسن، ﵀ لنفسه، قوله من كلمة له:
وليلة نتج البدر التّمام بهامن الضّياء صباحا ساطع النّور
ساقيت كأسا من التّسهيد أنجمهافجرّرت ذيل سكري أيّ تجرير
كم قلت حين جرت خيل الصّبا خببا:يا للجياد التي تحكي الصّبا سيري
عمر العلا أنّني أسمو سماوتهاوإن أعذّر فإنّي غير معذور
ما عذر من أمكنته في العلا فرصفانصاع يجري إلى عجز وتقصير
وأنشدني أيضا لنفسه:
وليل فاختيّ الغيم فيهغناء للفواخت والقماري
لبسنا فيه جلباب التّصابيإلى أن رقّ جلباب النّهار
/ ونثره يربي على نظمه، في قربه من الأفهام، وبعده عن المرام:
كذاك الشمس تبعد أن تسامىويدنو الضّوء منها والشّعاع
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع