من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
ابنه أبو المجد
كريم ينثر الدرّ إذا أخذ القلم، ومن أشبه أباه فما ظلم. ولم يبلغني من شعره [إلّا] ما أنشدنيه الشيخ أبو عامر له. وهو أحصر ضرورة فانصرف صرورة. فممّا أنشدنيه الشيخ أبو عامر له قوله في شكاية الزّمان وأهله، واستيلاء نقصهم على فضله:
أيّ وقت هذا الّذي نحن فيهمذ دجا بالقياس والتشبيه؟
كلّما سارت العقول لكي تقطع تيها تغوّلت في تيه
و [له] في معناه:
هذا زمان ليس فيهـ سوى النّذالة والجهاله
لم يرق فيه صاعدإلّا وسلّمه النّذاله
قلت: لا سلم الراقي في هذا السّلّم، ولا نديت يد الدّهر (لنذل ببذل). وله أيضا في قريب منه:
لا يوحشنّك أنّهم ما ارتاحواممّا جلاه عليهم المدّاح
فهم كقوم علّقت بإزائهمبيض المرائي والوجوه قباح
قلت: هذا معنى لم ينجب مثله فكر، وعندي الضّمان على الدّلالة أنّه بكر. وله في اليأس من الناس:
خلع الناس إهاباوتبدّوا في إهاب
وأرى نفسي تأبىغير ما كان ثيابي
إنّ إترابا من المال بلثم للتّراب
ليس من خيم كريم الخيم والمحض اللّباب
ليس بالإقبال ما نيل بتقبيل الكلاب
إنّ باغي الرّبح والخسران في باب وباب
تاجر غير بصيربمقادير الحساب
وله في الحكمة والموعظة الحسنة:
وما لك مطمع في الأمر إلّاإذا ما أنكر الأمر القبيحا
فأمّا وهو يجهل بين قبحوبين الحسن فرقانا صحيحا
فإنّك في رجاء الخير منهبأجواز الفلاة تكيل ريحا
وكتب إلى الشيخ أبي عامر:
قد أصبح الناس، وكلّ بهفي طلب الآداب زهد القنوع
لست ترى في الكلّ ذا همّةيهزّه الشوق وفرط الولوع
لكن ترى حين ترى قارئاكالآكل الشيء على غير جوع
يجيء في فضلة. وقت لهمجيء من شاب الهوى بالنّزوع
تراه في أحيانه مفكرافي سبب يعجل أمر الرّجوع
ثمّ ترى جلسة مستوفزقد شدّدت أحماله في النّسوع
ما شئت من زهزهة والفتىبمصقلاباد لسقي الزّروع
قال الشيخ أبو عامر: «مصقلا باد» بستان لي كبير. وإياه عنى الشيخ عبد القاهر، وكتب إلى الشيخ أبي عامر:
قولا لواحد عصره/فيما (يدقّ عن) الصّفات؛
ظرف ولطف شمائلوتبيّن للمشكلات
هل تستطيع إذا ذهبت بلطف سحرك في الجهات
ألّا أكون، وحقّ فضلك حين تلعب، في الكرات؟
الشيخ الإمام أبو عامر فضل بن اسماعيل [التميميّ ﵀] [الجرجاني]
نادرة العصر وناقدة الدّهر، وريحان الرّوح، وظرف الظّرف، وقرّة الطرف. ولمّا قدمت جرجان سنة أربع وأربعين وأربعمئة، زارني زيارة أفادتني الحسنى [وزيادة]، وأطلع عليّ جيبه رأس الفضل، وحلّى سمعي جواره بأقراط الأدب الجزل. واجتنيت من عذبات
أغصانه ثمار الفوائد، دواني القطوف. واتّسعت نحوي بمكانه خطوات الجدّ [القطوف].
ولم أتوصّل إلى الغرض من هذا التأليف إلّا بمعونته واستظهاره. ولم أحمّر في هذا التصنيف إلّا بانتسابي إلى ظفاره. وإذا سرّحت [فيه] الناظر والتقطت منه الجواهر، تبينت بتكرار ذكره [فيه] أنّ أكثر درره من نثار فيه. فممّا كتبت إليه قولي المرفرف بجناح الشكر عليه فيما جشّم خطواته من الاختيال إليّ، وخطراته من الإقبال عليّ:
تميمتي من كربي فضل الفتى الفضل بن اسماعيل التّميمي
لو لم يزرني كان قلبي ضيّقاسواده مثل بياض الميم
وما أصدق لهجة الإمام عبد القاهر في صفة ظرفه الظاهر للبادي والحاضر:
إذا ما شئت أن تظهر في بهجتك الجدّه
وأن يعطيك الوصلسرور تشتكي صدّه
وتلقى ظلم الوحشة ولّت عنك مرتدّه
وأن تنفي عن أجفان عيني قلبك الرّقده
ففاوض من إذا فاوضت أورى خاطر زنده
وصادفت بحسن الفهم في نظرته وقده
وألفيت من الإدراك ما تطلبه عنده
فلم تجف عن المعنىولم تشك له ردّه
ولكن تجد التّوفيق فيه قاصدا قصده
هو الفضل بن اسماعيل لا ترج فتى بعده
وله أيضا فيه:
ما أبو عامر سوى اللّطف شيءإنّه جملة كما هو روح
كلّ ما لا يلوح من سرّ معنىعند تفكيره فليس يلوح
فهذا هو المدح اللائق بالممدوح الفائر منه نسيم الفار المذبوح، المستغني عن الاستغفار منشده، الموصوف بصدق المقال منشئه. وأنشدني أبو الشّرف عماد بن عليّ بن هندو لابنه أبي الفرج فيه:
هذا سروري بأبي عامرمغرّقي في لجّه الغامر
فتى إذا جاراه في مفخرمساجل خاطر بالخاطر
النثر جسم وهو روح لهوالنّظم عين وهو كالناظر
فممّا أنشدني [لنفسه] من شعره الذي يغدو ويروح، ممتزجا بالروح قوله في الغزل:
نفسي الفداء لشادنبلواه عندي تستحبّ
فإذا بلوت خلالهفالماء يشرب وهو عذب
وإذا نضوت ثيابهفاللّوز يقشر وهو رطب
وقصار وصفي أنّهفيما أحبّ كما أحبّ
[قلت: هذا والله وصف تتطلّع إليه الأحداق، وتتحلّب عليه الاشداق] وله [أيضا]:
صبحت معهد أنسي[أروم] ترويح نفسي
فحين وافيت قالوا:قد فارق الشيخ أمس
فأظلم اليوم عنديوكدت في الحال أمسي
فيا مسرّة قلبيويا هلالي وشمسي
أتستجيز فراقيمن دون تزويد أنس؟
وأنت أنت، وودّيما قد علمت وبسّي
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع