من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
الأمير العالم أبو الفضل (عبيد الله بن أحمد) الميكالي
لو قيل لي: من أمير الفضل؟، لقلت: الأمير أبو الفضل. وقد صحبته بعد ما أناف على الثّمانين وفارقته، وهواي مع الرّكب اليمانين، ونادمته فلم أقرع على منادمته سنّ النّدم، وقدمت عليه فغمرني إنعامه من الفرق إلى القدم. وجالسته فأحمدته في كلّ أمر، وكأني جليس قعقاع بن عمرو. وأمّا أدبه فقد كان على ذبول عوده غضّا، يكاد يغضّ من أزهار الربيع غضّا. وأما شعره فقد أعلى أهل الصّناعة بشعار الانتماء إليه، ورفرقت الشّعراء بأجنحة الاستفادة عليه. وأما رسائله/ فرسل يدرّ، وسلك لا يخونه
الدّرّ. ومن تأمّل منثوره في المخزون على أنّه فرحة المحزون وشفاء القلب السّقيم، وعقله المستوفز، وأنس المقيم. وسئل الشيخ والدي عنه، فقال: إذا قطّع الشّعر قطّع الشّعر، ولكنّه إذا قصّد اقتصد. فمن كلامه الذّي يوسى به الكلم ويظلم، إذا قيس بعذوبته الظّلم قوله: وهو من أذناب أماليه الذي أنشدنيها لنفسه إملاء منه عليّ:
تفرّق الناس في أرزاقهم فرقافلا بس من ثراء المال أو عار
كذا المعايش في الدّنيا وساكنهامقسومة بين أدماث وأوعار
من ظنّ بالله جورا في قضيتهافترّ عن مأثم في الدّين أو عار
وأنشدني أيضا لنفسه:
لئن أنت ناصبت بدر الدّجىونازعت شمس الضّحى أوجها
لما كنت أفضل في حالةمن الكلب عندي ولا أوجها
وأنشدني أيضا لنفسه:
تمّت صنائعه فما يزري بهامع فضله وسخائه وكماله
إلّا قصور وجوده عن جودهلا عيب للرجل الكريم كماله
وأنشدني لنفسه في مدح أبيه:
مبدع في شمائل المجد خيماما اهتدينا لأخذه واقتباسه
فهو فظّ بالمال وقت نداهوجواد بالعفو في وقت باسه
[وله:
وما المرء في دنياه إلّا كهاجعتراءت له الأحلام وهي خوادع
ينعّمه طيف من اللهو باطلويوقظه يوم من الدّهر فاجع]
[وأنشدني لنفسه]:
أقيك بنفسي صروف الرّدىوحاشاك يا أملي أن تحينا
وقدّمت (قبلك نحو) الحماموبعد مماتي فعش أنت حينا
وأنشدني أيضا لنفسه في معمّى:
غزال ينثني فيريك غصناويرنو تارة فيريك ريما
كريم كلّه ظرف ولكنإذا سمّيته فاقلب كريما
وأنشدني أيضا لنفسه/:
إذا دها خطب فآراؤهتغني عن الجيش وتسريبه
وإن دجا ليل بدا نورهللركب نجما فهي تسرى به
وأنشدنا أيضا لنفسه:
تعزّ عن الحرص تعزز بهففي الطّمع الذلّ والمنقصه
ولا تنزلن أبدا حاجةبمن كابد البؤس والمخمصه
ولو نال نجم الدّجى ثروةوأوطأ شمس الضّحى أخمصه
وأنشدنا لنفسه أيضا:
أوصاك ربّك بالتّقىوأولو النّهى أوصوا معه
فاجعل لنسكك طول عم.... رك مسجدا أو صومعه
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع