من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
الأمير أبو الفتح الحاتمي
وهو الثّقة فيما يؤديّه، والأمين على ما يذره من هذه السّفارة، ويأتيه، يصدر له حالي واختصاصها، ونفسي واخلاصها، ويورد وإن أطنب وأجاد، وأبدى وأعاد، قليلا من كثير ما أنابه من ولايته، وشرف إخائه، متكثّر وبجماله معتدّ مفتخر، وعليه من حسن الثّناء وصالح الدعاء محافظ، وله مراع ملاحظ. فليثق بما يورده عليه، ويقرّره من هذه الجملة لديه.
وقد قيل: [رسول الرجل رائد عقله]، وإذا كان مثله الرسول فلا أدري ما أقول، ولا أزيد. فإن تأكّدت الحال، واتّسع المجال، وسوّغ لي الاسترسال:
أرسلت نفسي على سجيّتهاوقلت ما قلت، غير محتشم
فإن رأى /أن يوقع هذه المباسطة الموقع المعهود من فضله (ويبوّئها المربع) المألوف من كرمه وطوله، ويؤنسني كلّ وقت بخطابه، وما يسنح له من أوطاره وآرابه، فعل إن شاء الله ﷿.
الجواب من القاضي منصور ﵀:
فداؤك نفسي قد محتني يد البلىعلى أنّني فيما ترى العين سالم
وهيهات ما لي في السّلامة مطمعولكنّني مستسلم متسالم
أؤمّل أن ألقاك يوما) وليتنيفيلقى هشاما) سالم الملك سالم
سلمت ففي ظلّ السّلامة يكتسيملابسها للمكرمات مسالم
كتابي، أطال الله بقاء السّيد، ثم الأجلّ فالأجلّ، والأعظم فالأعظم، والأكرم فالأكرم، والأنفس فالأنفس، والأشرف فالأشرف، وهلمّ جرّا ما وجد الخالع للحبل مجرّا من الثّناء والدعاء والتّقريظ والاطراء، وجميع ما يخرج من هذا الوعاء، ويكفيني الاكتفاء باسم جنان. فلم أخرج
من عيان إلى بيان. ولولا الأخذ بالسّنّة في مطاولة الحبيب للحبيب، وفرحة الأديب بالأديب، وأنس الغريب بالغريب، واهتزاز المريض للطبّيب لأجللت مجلسه، أنّسه الله عن التّثقيل والتطويل والإبرام بمدّ الكلام.
ولكنّي عرفت خلقه خلقا عظيما، وطبعا كريما، وسجية سريّة، وهمّة عليّة. فوثقت بالعفو، واشتيار ما عندي من الكدر، بما عنده من الصّفو.
فأرسلت نفسي على سجيّتها. وقد حدّثت نفسي، وأجلت فكري، وشاورت صحبي، وراجعت وسمي وفهمي، واستعرضت نثري ونظمي في أن آتي بكلام بديع بعيد، ونظام ما يشكّ امرؤ أنه نظام فريد.
فلما رأيته سلك من الدّرّ ما سلك، وسبك من التّبر ما سبك، وفرك من المسك ما فرك، وحرّك من سلسلة الإعجاز/ ما حرك، نبّهت عقلي وقست خليّ ببقلي، ونظرت في فتري وشبري. وتذكّرت ما ذهب من خيري وشرّي، وقلت: يا أبا أحمد، أعزّك الله، إعلم الحال، ثم اطلب المحال (واعرف ثم اهرف، ولا تروّج الزيف على الناقد)، ولا تهد (الطّيف إلى الرّاقد)، ولا تتعرّض للمس النّجوم الثّواقب،
ولا تسبح بقصير باعك في البحر ملتطم الغوارب. واسكت فقد حان لك السكوت، ونسج عليك العنكبوت، وكادت تخلو منك البيوت.
وذهب السمع والبصر، وبطل العين والأثر، وتناثر التّمر والكثر، وجمع الشمس والقمر، واضمحلّ الليل والسّمر. ولم يبق إلّا القضاء والقدر.
الشيب وكلّ شين، والعمى وكلّ عيب، وأحوال الزمان وما بها (خفاء وجفاء) أهله، ومن أين لهم جفاء؟ وبدون هذا ينفق الحمار، ثم إن كان لابدّ فمن المضيرة وصل كتاب السيد الجليل، وما أعدت السيد تكريرا ولكن تقريرا. فالأول اسم هو لابدّ منه متّسم، حتى يكون سجعا [له]، والثاني صفة جملته بها متّصفة، ومعانيها له منتظمة مرتصفة، حتّى بكون ثانيا، واللفظ من هاهنا لشعبة. وقد تضمّن من الفضل والأفضال، والإحسان والإجمال والتوفّر والإيجاب، والرّعاية والإكرام فيما أولانيه من بّره الجزيل، ورفعني إليه من قدره الجليل. وذكّرني به
مما لا ينسب إلّا إليه، ولا يوقف إلا عليه، ولا يوجد إلّا لديه، ولا يجمع إلّا تحت يديه من الجميل. وهذا أيضا من ذاك القبيل، تسجيع كما يراه وترجيع كما يرضاه أو لا يرضاه.
ثمّ وقف الجمل وكثر الوحل. وللسجع حركته، وأراه يجوز وإن لم يجز أجزته، والدّليل عليه قول القائل: [لا وحيرة الحمار في الطين]. ولعلّ السيد يقول: هذا الشيخ، أيّده الله، قد خرف، وهذا أمر قد عرف، وأنا به معترف، ومن بحره مغترف، وغيري للذّنب فيه مقترف. إن قال فمقبول، وإن عفا فالعفو عند رسول الله مأمول، وهو، بحمد الله [تعالى]، غصن/ من تلك النبعة، وبعض من تلك الجملة، وخليج من ذلك البحر، وضياء من ذلك البدر.
ولا عجب أن أقتدى، ولا بدع أن اهتدى. فأمّا الجواب لفظا بلفظ وحرفا بحرف، ومعنى بمعنى، وكلمة بكلمة على الرسم بين الأقران، والعادة بين الاخوان، والطريقة بين أبناء الزّمان، فما أقلّ عقل الانسان!، وما أعدّه من الصواب في هذا الجواب، أن أعرض عن الهذيان بعدما حيل بين
العير والنّزوان. وأنشد:
إنّ ابن جفنة من بقيّة معشر
أبيات حسان، وقد أحسن فيها كلّ الاحسان، إلى آخر الدّستان.
وقد جمعت بين الملح والأشنان، ووفّقت لما انتهيت إلى هذا المكان.
شكر الله سعيه، وحيّا وجهه، وسقى ربعه، وطيّب ذكره، ورفع قدره، وتولّى عني شكره:
وإنّي وإن فارقت نجدا وأهلهلمحترق الأحشاء شوقا إلى نجد
أروح على وجد وأغدو على وجدوأعشق أخلاقا خلقن من المجد
وإن تجمع الأيام بيني وبينه، ثمّ لم يسمح خاطري بما أردته بعده والسلام.
ولرأيه التوفيق والعلوّ والسّداد والصواب والرشاد، وكلّ ما ذكره في هذا الباب البلغاء والشعراء والخطباء والكتّاب. وهذا صحيح على القياس، وإن لم يكن
متداولا بين الناس، وأعوذ بالله من الوسواس الخنّاس، إن شاء الله وبه الثقة.
قلت: وقد أوردت الكتابين على الوجه لما فيهما من ألفاظ كأنّها غمزات ألحاظ واقتباسات من الأشعار، واختلاسات من الأخبار. وعندي أنّ الأيّام لم تجد قطّ ولا تجود بمثل هذين الإمامين الهمامين، وأرجو ألّا أنسب في هذا الحكم إلى [الميل و] المين. فمما حضرني من مقطّعاته التي هي قطع الرياض قوله:
إذا ما كنت معتقدا صديقافجرّبه بأحوال ثلاث:
/
مشاركة إذا ما عنّ خطبوإسعاف بعين أو أثاث
وسرّك فأتمنه عليه، وانظرأيكتم أم يذيع بلا اكتراث؟
فإن صادفت ما ترضى وإلّافإنّ المرء ذو عقد رثاث
وله:
جرت لك عادة في الخير عنديبلغت بها المدى شرفا وعزّا
فلا تقطع بواحدة ولكنإذا ما لم تكن إبل فمعزى
[وقد حان انتقاص من قواهافطار القلب مني واستفزّا]
وله:
يا ربّ أذللت قومايا ربّ كن لي معزّا
سمّيتني لك عبداحسبي بذلك عزّا
وله [أيضا]:
إذا ما كنت لا تحظىولا تستعمل اللّحظا
فأشقى الناس من يستع.... مل اللحظ ولا يحظى
وله:
لا تغبط المتورّطين وإن غدواومحلّهم بين الورى ملحوظ
وانظر مصارعهم تكن لك عبرةإنّ السّعيد بغيره موعوظ
وله [أيضا]:
ومنتقب بالورد قبّلت خدّهوما لفؤادي من هواه خلاص
فأعرض عني مغضبا قلت: لا تجروقبّل فمي إنّ الجروح قصاص
وله [أيضا]:
وصاحب لي ثقيلقد طال قدّا وقامه
فساعة منه عنديفي طول يوم القيامه
القرب منه بلاءوالبعد عنه سلامه
ومن محاسنه قوله:
فصل العصير وشهر الصوم ينسلخفأيّ عهد وعقد ليس ينفسخ؟
فما لنا لا نرى شيئا نسرّ بهونحن شوقا إلى اللذّات نصطرخ؟
والعود أخرس والساقي على طرفوالكاس في جانب والزّقّ منتفخ
والرّوض أخضر نضر والهواء ندوالقلب باللّوم والتّعنيف متّسخ
وللعصير اغتياظ (من تلوّننايكاد من حرّه في الدّنّ ينطبخ
فهاتها مزّة حمراء صافيةتملي السّرور على قلبي فينتسخ
وسابق الدّهر إنّ الدهر ذو غيرونحن في غفلة والعمر ينسلخ
وله:
إذا كنت ذا علم وما راك جاهلفأعرض ففي ترك الجواب جواب
وإن لم تصب في القول فاسكت فإنّماسكوتك عن غير الصّواب صواب
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع