من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
السيد الرئيس ذو المجدين أبو القاسم علي بن موسى الموسوي
جمال العترة الموسويّة، الممعن منها في الطّريقة السّويّة. وإذا علويّ
لم يكن مثله في كرم المناسب وشرف المناصب، فما هو إلّا حجّة للنّواصب. وقد سعدت بضيافته رمضان سنة سبع وأربعين [وأربعمئة]، فرأيت من دسته المطروح، وزنده المقدوح نعيما وملكا كبيرا، وخيرا وخيرا، وفضلا كثيرا. كما قلت في قصيدتي التي أوردت بعضا منها:
أتاك الصّيام فعاشرتهبقلب تقيّ وعرض نقي
وأوجبت للقوم هشم الثّريدعلى شرط منصبك الهاشمي
فعيّذ إذا الأفق في الغرب بثّسنا من جليّ به منجلي
ولو لم تسدّ مكان النّبيّلأصبح رتما مكان النبي
/
ولو ذهبت أصف ما تلقّاني به من تشريف وتقريب، وأهّلني له من تأهيل وترحيب، وحكّمني فيه من إنزال وأنزال، وخلع عليّ من جاه ومال، لخرجت من شرط [هذا] الكتاب. واستهدفت من ألسنة النّقّاد لسهام العتاب.
أمّا الأدب فمنه وإليه، ومعوّل أرباب الصّنعة عليه. وأمّا الخلق فكما يقتضيه الإسلام، وكأنه منتسخ من أخلاق جدّه ﵇. وأمّا الجاه فمسلّم له غير متنازع فيه. وأما المحلّ فسلّم لا يسلم من الزّلل مرتقبه. وأمّا الرئاسة فقد ألقت إليه الأرسان. وأما النّقابة فقد فرشت له رفرفها الخضر وعبقريّها الحسان. وهذا مكان غرر من كلماته، ودرر من حصياته، يلوح عليها سيماء النّبّوة (ويحيط بحواليها) سماء المروّة.
أنشدني لنفسه بمرور سنة أربع وأربعين [وأربعمئة]، قوله:
رجوتك حينا والرّجاء وسيلةوحسبك لو ما أن تخيّب راجيا
وو الله لا تبقى على الحرّ نعمةفجد واغتنم شكرا على الدّهر باقيا
وقوله [أيضا]:
إذا أنا لم أهتزّ للجود والنّدىفمن ذا الذي بهتزّ يا أمّ مالك؟
ذريني وإنفاقي لمالي على العلاورأيك فيما اخترت من حفظ مالك
فجود يميني عادة عرفت بهاوكلّ يمين لم تجد كشمالك
وما أنا ممن ينتهي عن سماحةبنهيك إذ تنهينني بجمالك
ولا عذل ربّات الجمال بمانعيمكارمي الّلاتي سرت في الممالك
[ومهما يضق حالي وأنكرت عيشتيفلي فسحة في الأرض ذات المسالك]
وقوله:
أليس عجيبا أنّ مثلي خاضعلمثلك والأملاك حولي خضّع؟
وأنّك تعصيني وتملك طاعتيوأملاك هذا الدّهر لي منك أطوع
وبي نخوة عند الملوك وعزّةعلى أنّني أخشى لديك وأخشع
ولولا الهوى ما قادني لك قائدولكنّه (ما شاء بالحرّ) يصنع
وقوله:
يا أضعف العالمين وصلاوأشغف الناس بالفراق
ومن غرامي به شديدليس يداوى بألف راق
[ومن لحاني على هواهأهل خراسان والعراق]
إن كان لا بدّ من فراقفعن وداع وعن عناق
وزورة ترغم الأعاديوخلوة حلوة المذاق
وقوله:
بينا نرجّي إيابا من أحبّتناونستعدّ لأن نلقاهم زمرا
إذ قام ناعيهم فينا فصبّحنامن نعيهم بدواه تكسف القمرا
يا حسرة إذ رجونا الالتقاء غداوالموت مستدرج يمشي لنا الخمرا
وله [أيضا]:
ما لي وللعلّة لازمتهاولازمتني كلزوم الغريم؟
كأنّها عافت لئام الورىثمّ اصطفت كلّ صفيّ كريم
قال الأديب يعقوب [بن أحمد] النّيسابوريّ، واللفظ من هاهنا له: ما أحسن ما اعتذر للعلّة عن جناياتها عليه، وإساءتها إليه بلفظ يتضمّن امتداح أصله، وشرف عرفه. والمعنى الذي أشار إليه كما قال المتنبّي في قصيدة له:
ومنازل الحمّى الجسوم فقل لنا:ما عذرها في تركها خيراتها؟
وزائرة المتنبّي عافت ما بذل لها من المطارف والحشايا، فباتت في عظامه. وهذه عافت لئام الورى، واصطفته لإعظامه. وأنشدني له الأديب يعقوب [بن أحمد]، قال أنشدني لنفسه:
لقد حسدت قوم بلوغي من العلامبالغ لا يرجون شقّ غبارها
/
وهل يلزم السّارين وصما على السّرىرجال تحبّ النّوم في عقر دارها؟
وحدّثني الأديب يعقوب [بن أحمد]، أيّده الله، قال: كان بين يدي السيّد الرئيس كتاب، وكنت أنظر في عنوانه، فقال: يعنيني، كأنّه نسي اسمي، فهو يريد إثباته بالنظر فيه. فنظمت بيتين ليعلم أنّ
اسمه السّامي مثبت في أول السّطر من صحيفة الصّدر لا تمحوه يد الزّمان، ولا يستولي عليه سلطان النّسيان، وهما:
يقولون لي: هل للمكارم والعلاقوام ففيه، لو علمت، دوامها؟
فقلت لهم، والصّدق خلق ألفته، ...: عليّ بن موسى الموسويّ قوامها
قال: ثم قلت بعد، شاهدا بجود يديه بالامامة، ومفضّلا إيّاه على صاحبيه حاتم وابن مامه:
بذي المجدين سيّدناومولانا أبي القاسم
عليّ من غدا ركن ال.... علا ثغر النّدى باسم
فكعب دون كعبيهومن غلمانه حاتم
فإنّ الجود موروثله من جدّه هاشم
وله فيه أيضا:
يقول صديق لي: دلّنيعلى برمك الجود أو حاتم
فقلت، وأقسمت بربّ العلا:عليّ بن موسى أبو قاسم
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع