تجاوز إلى المحتوى

من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)

القاضي أبو أحمد منصور بن محمد الأزدي الهروي

أفضل من بخراسان على الاطلاق، وأطبعهم بالاتّفاق. ويرجع إلى نظم

أحسن من انتظام الأحوال، ونثر كما يهي (عن الدّرّ) سلك اللآل.

وديوان شعره يبلغ أربعين ألف بيت، وناهيك به من كثير، ليس بعدوّ للطّبيعة، ولا مستهدف للوقيعة. ولكنّه أعذب من جنى النّحل شيب بماء الوقيعة. ورسائله ألذّ في الأسماع من عهود التّصابي، وأصيد للقلوب من كلام الصّادين؛ الصاحب والصابي. وللشّيخ والدي [﵀] فيه قصيدة أولها:

قالوا: تفتّش عن أولي المجدمن في الأنام لطالبي الرّفد؟
للشاعر الباخرزي والد صاحب الدمية، اقرأ القصيدة
فأجبت: قاضينا وسيّدنامنصور ابن محمد الأزدي
للشاعر الباخرزي والد صاحب الدمية، اقرأ القصيدة

واقترح عليه أن يجيب عنها نثرا في فصل من رقعة كتب بها إليه، [وهو]: «لا يعدّ بناحيتنا في الفتّاك/ من الشّبّان والشّطّار من الفتيان من يبخل بإنفاق نظم عقد على تحصيل نثار ورد».

قلت: وهذا معنى غريب، اتّفق له في التّماس الغرض المشار إليه، فلذلك نصصت عليه. وقد أوتي القاضي أبو محمد، ﵀ حظّا وافرا من حياته، وبلغ أرذل العمر [من وفاته]، فانطحن تحت رحياته.

وأثّر فيه الهرم تأثيرا، نشّف ريّه، وأطّر سمهريّه، وحجب طرفه، وإن لم يحجب ظرفه. وكفّ ألحاظه وإن لم يكفّ ألفاظه، وقصّر من خطواته وإن لم يقصّر من خطراته حتّى كتب في معناها إلى بعض أصدقائه:

قصّة تقصيري فيها قصرفأذن لعذر مشبع مختصر
شيئان عذري فيهما واضح،سواد حالي وبياض البصر

وكان مغرى بالشّراب مغرما بالإطراب، يمناه متوّجة بكأس الرّحيق، ويسراه مقرّطة بعروة الإبريق. وخمريّاته مما يحكم له فيها بالفضل على الحكميّ، وغزلياته مما يحصل بها مطاوعة الغزال الأبيّ.

وكتب إليه السيد شرف السّادة محمد بن عبيد الله الحسينيّ البلخيّ كتابا صدّره بهذه الأبيات:

لك الخير إنّ الدّهر سلم مسلّم من الذّمّ مذ خبّرت أنّك سالم

وإنّ زمانا سالمتك صروفهزمان بقدر الدّين والفضل عالم
للشاعر شرف السادة البلخي، اقرأ القصيدة
ومهما تحامتك المكاره واتّقتذراك العوادي والخطوب الثّوالم
للشاعر شرف السادة البلخي، اقرأ القصيدة
فإن أنا ظلّمت الزّمان ظلمتهوغير زمان قد وفى لك ظالم
للشاعر شرف السادة البلخي، اقرأ القصيدة

وبعدها كتابي أطال الله [تعالى] بقاء القاضي الجليل، كتاب من عفا عن قلبي أثره، وانطوى عن سمعي خبره، ومحا رسوم مواصلته

القدم، وغيّرها الأرواح والدّيموهو مع طول العهد، واستمرار

النأي والبعد، ثابت في وداده، دائم على اعتقاده، متحزّم بزمام الثّناء والدّعاء، متمسّك بعرا/ الولاء والإخاء. والحمد لله كفاء حقّه، والصّلاة على محمد خير خلقه، جدّنا المصطفى وآله.

وقد كنت والدّار شاسعة والعوائق متناسقة، متتابعة. والمسافة بيننا تكلّ المطيّ الخواطر، بل تكلّ الأفكار والخواطر والدّهر ينقض من زماعي ما أبرم، والناس على مرور الأيام تستحكم، أتوقّع مع ذلك وصاله، وأترصّد خياله. والشّوق يلتهب ضرامه، والصّبر هيهات مرامه!.

وربّما أنتجع مساقط كلامه، ومواقع أقلامه، فأتسلّى بها قليلا، وأعلّل هذا القلب تعليلا، وكيف ظنّه بالشّوق وناره؟ والقلب وأواره وقد قرب المزار، وتدانت الدّيار؟. وبيننا مسيرة غاسق لعاشق، قد اتّصلت بي ريّاه، وتمثّل لي محيّاه. فأحلم بهرات أضعاف ما احتلم الوليد بمنبج، وأتشوّقها وزان ما تشوّق رسوم منعج. ولولا أنّي أسير حبائل هذه النّعمة، وحبيس وظائف هذه الخدمة، لنهضت نهضة الكرام،

بل طفرت طفرة النّظّام، بل (امتطيت الريح) وطويت المهامه الفيح، وما على الله أن يصل الحبل، ويجمع الدار والشمل. فيبلّ غليلا أوقده البعد، ويبلّ عليلا أكمده الوجد بعزيز، ولا عن فضله ببعيد.

النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «دمية القصر وعصرة أهل العصر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.