من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
العميد أبو بكر علي بن الحسن القهستاني
هو من الرخّج أصلا ونسبا، وإن كان يعرف بالقهستانيّ لقبا يجلّ باشتهاره عن تكلّف الأوصاف والشّروح، ولا يمسّ شعره قرح من القروح.
وهو في الشّعر كذي القروح. التقيت به وهو على أشراف خراسان سنة خمس وثلاثين وأربعمئة، والصّبا أرن بنزع الأواخي والرغبة في الاستفادة تعقد بيني وبين الفضلاء التّواخي. ومدحته ببعض أشعار الصّبا، وهي كما قال شرف السادة: [التّمر باللّبا]. وأعجبتني في النّظم طرائقه،
وملكني منه شائقه ورائقه. وكأنّ طبعي أدّى صورة طبعه بتطلعّه في مرائه، أو كأنّ خاطره أمّ موسى إذ قالت لأخته: [قصيّه].
فانا مقتصّ أثره، وعاشق ليله وسمره. ومن رأى ما ينقدح من خاطري علم أنها نتيجة عفاره ومرخه، ومن أبصر تصرّفي في الكلام تبيّن أنه صقر عني. بزقّ فرخه، فمن شعره الذي يمتزج بأجزاء النفس قوله في الأمير أبي أحمد محمد بن محمود، ﵁:
يسرّك أن أرى دنفا عزينالك البشرى بما ترضى رضينا
ولكنّي إذا ما طبت نفسابما تهوى، فكيف أرى حزينا؟ /
رضاك رضاي لا آباه شيئاولو قتلي، ولا أزوي الجبينا
ولو زدت (العذاب ولست تألولما استروحت بالشّكوى أنينا
فدت نفسي ولو ملكت (يمينيسواها) ما بخلت به يمينا
وما ملكت يميني غير نفسيوها هي عنك لست بها ضنينا
ولم أنفس على نفسي بحينولكن لم يحن لي أن أحينا
أيا مسكين، قلبي ذبت قسراوأعطيت المقادة مستكينا
نصحتك لو قبلت نصيحة ليولكن لا تحبّ النّاصحينا
لقد خلق الهوى يا قلب نارافما لك والهوى وخلقت طينا؟
تذوب ولا تتوب رجاء يوميضمّ حشا المنى منه جنينا
وبين جوانحي نار تلظّىكما تلقى الأمير يهيج حينا
محمدا ابن محمود أبا أح... مد مولى أمير المؤمنينا
جلال الدّولة الغلباء دنياجمال الملّة العلياء دينا
وليّ العهد عهد الملك طوبىلنا إذ ظلّ الله فينا
ومن أبكار المعاني قوله في هذه القصيدة يعرّض بأخيه الأمير مسعود، ويذمّه بالعبالة، ويثني على ممدوحه بالنّحافة:
فإلّا تلقه جسما قويّافقد تلقى به الروح الأمينا
براه هوى العلا حتّى تراهكصل حسامه حدّا ولينا/
وليس الطّبل في الهيجاء يغنيغناء السيف فاعلمه يقينا
قلت: وقد أحسن البديع أبو الفضل الهمذانيّ، في الاعتذر عن النّحافة بقوله من قصيدة له:
هلمّ إلى نحيف الجسم منّيلتنظر كيف آثار النّحاف
ولي جسد كواحدة المثانيله كبد كثالثة الأثافي
قلت: أبصر كيف نظم الأعداد من الواحد إلى الثّلاثة على ترتيبها، بمعنى يجمعها ويضمّ أطرافها، ولا يكاد ينقضي إعجابي بهذا البيت. وللقهستانيّ أيضا من قصيدة أولها:
أهلا بطيف قد جلاه لنا الكرىوا نعمتا لو كان حقّا ما أرى
يا ماء عيني) ليس يروي ظمأهانظري إليك وأن أديم وأكثرا
ويزيدني ما ازددت منه غلّةملح أرى في ماء وجهك قد جرى
ويشفّ كبدي برد ريقك إنّهبرد يزيد به الغليل تسعّرا
يا من حكى شجر الصّنوبر قدّهحقّا لقد علقتك أفئدة الورى
إنّ القلوب حكت ثمار صنوبرعلقن من ذاك القوام صنوبرا
ومنها فيما أقدم عليه دهقان ولوالج في تقبيح صورته عند سلطانه:
تعسا أبا اسحق يا دبر القفاأنى أنخت لما ضغي ليث الشّرى
كالتّيس أصبح باحثا عن مديةبك لا بظبي بالصّريمة أعفرا
هلّا تأبطت السّلامة غانمامتوقّيا ذئب الغضا يمشي الضّرا؟ /
إذ يرتعي وسطا ويربض جحرةتيها على تيس القرى الغفر القرا
إيها وزير الشّرق عفوك إنّماقد سدت كي تهب الذّنوب وتغفرا
ولكم يد أوليتنيها طلقةلم تولها شمس الضحى النّيلوفرا
في غمرة من فيض كفّك شاكرنعماك مذك من ثنائك مجمرا
أهتزّ حين أراك فرط محبّةفرحا بوجهك ضاحكا مستبشرا
ومتى بعدت غضضت طرفي واجماونكست رأسي ذابلا متكسّرا
فاسق الصّنيعة إن أردت نماءهاما غرسك الممنوع ماء مثمرا
إنّ الزّمان زمان سوء فاغتنمفيه الجميل مبادرا أن يغدرا
وإذا قدرت على اصطناع فابتدروتولّه من قبل أن لن تقدرا
إنّ الألى ثلموا لديك مودّتيعمدوا إلى علياء شمّاء الذّرا
نشروا هباء أن رأوك أضأتنيشمس الكفاة ولفّقوا كذبا فرا
وأراك مثل الظّلّ يا شمس العلامعهم تميل أليس ذلك منكرا؟
أنا ما قنصت عبودتي لك عدّ عنغيري فكلّ الصّيد في جوف الفرا
أزرى بقدري أن تراك ملكتنيوالشّيء تملكه بعينك مزدرى
ولو انّني من غير أرضك لم يكنأحد يوازيني لديك كما ترى
لكنّ سهم القرب خاط طائشولقد تنال العين إلّا المحجرا
وكذاك عود الهند في بلدانهحطب الوقود به يباع ويشترى
وعساي إنّ ولّيت عنك برحلةثم انصرفت، حظيت منك موقّرا /
فالبحر يصعد قطره في مزنهويعود حين يعود فيه جوهرا
[قلت]: تعالى الله ما أعلى هذا الكلام وأحسن هذا النظام:
وو الله ما أدري أزيدت ملاحةوحسنا على النّسوان أم ليس لي عقل؟
وله من قصيدة إلى المرتضى الموسويّ البغداديّ يقول في تشبيبها
ما لم أسمع بمثله في الاعتذار عن المنام، والتّورية عنه بمعاريض الكلام:
أراعي نجوما من دموعي طوالعاضللت بها صبري وبالنجم يهتدى
ولم أبق بعد الظّاعنين فديتهملأبقى ولكني لأشقى وأكمدا
رأى طيف سعدى غضّي الطّرف أن يرىسواها فظنّت لي لواحظ هجّدا
وما نمت لكن مات إنسان ناظريفبوّأته من جفن عيني ملحدا
فردّت وما ردّت جواب تحيتيوما ضرّ سلمى لو أجابت مسلّما؟
فما ذقت إلّا ماء عيني مشرباوما نلت إلّا لحم كفّي مطعما
إنّ شبابا وإنّ خمراوإنّ لي فيهما لأمرا
ما أنا والنّسك والتّقرّي؟وإنّ زيدا وإنّ عمرا؟
معصية اللائمين فيهافهي وكلتاهما وتمرا
يا لائمي والملام لغولأشربن ما حييت خمرا
ما أنت منّي ولم؟ فقل لي:تغمرني بالملام غمرا؟ /
يقال: أطعمّ أخاك تمرافإن نبا أو أبى فجمرا
دعني لشأني وحال باليلا تمطرنّي الهموم همرا
فالرّاح راح لكلّ روحلا تسددنه عليّ سمرا
فإن تساعد بها هنيّاأو لا فأهنا لها وأمرا
العيش راح فخذه شرباأو لا فريح فخذه زمرا
وأنشدني لنفسه، يهجو بعض الفقهاء:
لنا عالم يؤتى فيأتي بحجةعلى ذاك من أخبار علم وآيات
وقلنا له: الإسلام يعلو ولم يكنليعلى، فقال: العلم يؤتى ولا ياتي
وأنشدني أيضا لنفسه:
هذا ابن ماتي تائه في عجبهمتبذّخ متنفّخ جبروتا
يأتي إلى الأحرار يقعد فوقهموينام من تحت العبيد فيوتى
وله في معنى وفّاه حقّه:
وإنّي؛ ولا كفران لله، مالكعناني أهديه القناعة مذهبا
يكلّفني قوم تكاليف عيشهملكيما ينالوا خفض (عيش وأنصبا
أأشقى بنيران ليسعد صاحبيبضوء وطيب كالذّبالة والكبا؟
كما الفلك الأعلى يدور على الورىوبهدي لهم شمسا وبدرا وكوكبا
وله في عيادة بعض السّادة:
هنيئا لك يا سيّدنا ما أنت شرّاب
وأرجو أنّ جلّا بك للصّحّة جلّاب
وله [من غزلياته قوله]:
بعمّي وخالي ذلك الخال إنّهختام على ماء الحياة لشاربه
وقد زيد في ياقوتتي شفتيه ليودرّ ثناياه زبرجد شاربه
أو احد قلب الصّبّ ثاني روحهوثالث عينيه رويد الجفاء به
/ وكتب على رقعة، وعلّقها فوق المجلس الذي كان يدخل إليه أصحاب الخفاف [فيه] ليكون مسدا لذلك الباب، ومزجرة لأولي الألباب.
إلى الله شكواي من عصبةيدوسون دستي وكبدي بها
فيا ربّ سلّط عليها يداعلى مردها وعلى شيبها
تحسّن تأديب تلك الرؤوسبها لإساءة تأديبها
ومن غزلياته قوله:
بنفسي وجهك ذاك الذييؤثّر للّطف فيه النّظر
كوجه المراة تنفّست فيهفأبقى التنفس فيه الأثر
وكتب إليه أبو محمد الحسين بن تميم:
قل للعميد ولست معتمدا علىخلق سواه فلا سلبت عمادي
اطعم هنيئا إنّ ضيفك جائعواشرب مريئا إنّ ضيفك صاد
أغدو إليك كما أروح على جوىوطوى فقل في رائح أو غاد
فأجاب أبو بكر:
لبّيك يا مولاي بل سعديك منلفظين؛ تلبية ومن إسعاد
لا أشربنّ ولا أكلت على الصّدىوالجوع غير دمي وغير فؤادي
قلت: وأنا متخلّص من ذكر هؤلاء الخمسة، إلى ذكر صدرين كانا من أركان الحضرتين وأعيان الدّولتين. ولهما عندي أياد، أعدّ منها ولا أعدّدها.
[أحدهما]
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع