من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
السيد العالم شرف السادة أبو الحسن محمد بن عبد الله (الحسيني العلوي) البلخي
سيّد السادات وشرفهم، وبحر العلماء ومغترفهم، وتاج الأشراف العلوية، المتفرّعين من الجرثومة النّبويّة، الشادخين غرر الآداب في
أجبته الأنساب. وهو، ولا ثنويّة، من الشّرفين في الذّروة العليا، وفي المجدين من أسنمة الدّنيا. تنوس على عالم العلم ذوائبه، وتقرطس أهداف الآداب صوائبه.
ولم يزل أمام صرير الملك قدم صدق، يطلع في سماء الفخر بدره، ويوطىء أعناق النجوم قدره. وأقلّ ما يعدّ من محصوله جمعه بين ثمار الآداب وأصوله، ووصفه بأنّه ينثر فينفث/ في عقد السّحر، ويحلّق إلى الشّعرى إذا أسفّ إلى الشّعر فأمّا الذي وراءه من العلوم الإلهيّة التي أجال فيها الأفكار، وافتضّ منها الأبكار. فمما لا يحصر ولا يحزر، ولا يعدّ ولا يحدّ. وقد حضرت بغداد سنة خمس وخمسين، وانحدرت منها إلى البصرة، فإذا ذكره الذي سار ودوّخ الأمصار. وطار فنقب الأقطاب [والأمصار]. وقد سبقني إليهما، وترادف على أثري منه ما زاحمني عليهما ورأيت ديوان شعره في [دار العلم] ببغداد، مدوّنا يزن وراقته المستفيدون
أحمر منقّشا وأبيض مدوّرا. وقد صحبته عشرين سنة، أرتدي في ظلال نعمه العيش الناعم، حتى عادت فراخ وسائلي قشاعم، فكم زممت [إليه] المطيّة، وركزت على مكارمه الحظيّة مادحا لما اشتهر على الألسنة من حسبه ونسبه، وآخذا بحظّي من نشبه وأدبه. ولم يرتع ناظري في الرّوض الناضر إلّا بتأمّلي مواقع أقلامه، ولا صار سمعي صدف اللآليء إلّا بتقرّطي روائع كلامه. وليس استرواحي إلى التّنويه باسمه، والاشادة بذكره إلّا نوع تعليل، ومتى احتاج النّهار إلى دليل؟
وما أنا في ترنّمي بذكراه، وتعطرّي بربّاه إلّا النّسيم نمّ على الرّوض بمسراه، والصّبح بشّر بالشّمس محيّاه. وقد جمّلت كتابي هذا من مأثور منثوره، ونجوم منظومه، وكلماته العلوية في افتخاراته العلويّة وغزلياته المعشّقة، وخمرياته المفسّقة ما يعلّق من كعبة المجد
[والفخر]، ويعقد تاجا على مفرق الدهر. وله في النثر كلمات قصار، كلّ واحدة منها تقصار، وهي محذوّة على مثال الأمثال كقوله:
«من أراد معرفة الله فلينظر في السماء والأرض كيف خلقتا، وقد دامتا فما خلقتا. وليعلم أنّ البناء لا بدّ له بان، كالكتاب لابدّ له من بنان ». وقوله: «من استغنى عن الدّنيا، فكأنّه دعاها إلى الإمتاع./
ومن حرص عليها فكأنّه أغراها بالامتناع [الإجمال في الطّلب والمداراة للنّوب يوميان إلى النّجاح، ويومنان من الافتضاح]. الجود بالحقيقة بذل الحق والبخل منعه؛ فمن منع الحقّ كان معذّرا، ومن بذل فوق الحقّ كان مبذرّا. أهنأ الجود بذل الإمكان على المكان. اللئيم من قصّر عن الواجب من غير قصر في يديه أو قصور فيما لديه. أقدم إذا وجدت مقدما، فالجريّ بالظفر حري والهائب خائب. المجد الاستكثار من المحاسن، ومن استكثر منها فقد مجد والنّجدة الاستهانة بالموت، ومن استهان به فقد نجد. معاداة الأغنياء من عادات الأغبياء؛ لأنّ الغنيّ اعتزاؤه إلى الله.
واعتزاره بصنع الله. الغنيّ معان، ومن عادى معلما [فقد] عاد مهانا إيّاك والإقبال فلا تزاحمه والأشقى فلا تلاطمه من دقّ نجارك على نجاره فلا تجاره. ومن قصّر حسامك عن حسامه فلا تسامه. إذا التهبت الخطوب فعليك بالخمود، فكلّ التهاب إلى انطفاء، وكلّ انقضاض الى القضاء.
التّواضع أمان من التّقاطع والتملّق أمان من التّفرق. التّغافل عن بعض الأمور تعاقل، والتّناعس في بعضها تكايس. ليس للفسوق سوق، ولا للرّياء رواء. ومن نظر في الأقسام أقدم على تجوير القسّام، ومن نظر في حكمته عدل في حكومته. الحسن درهم ثلثه طينة وثلثاه زينة.
الكسلان مرعاه التّواني ورعيه الأماني. الصدقة تمنع النّفوس من التّرقّي إلى التّراقي ».
قلت: وقد مرّت بك رسالته التي خاطب بها القاضي المنصور بن محمد
الهرويّ، ﵀، وعرفت [هناك] درجة كلامه في الإخوانيات.
وهاك نموذجا من بيانه في السّلطانيّات:
كتب، ﵁، في فتح هرات من السلطان الشهيد ألب أرسلان، أثار الله برهانه، [كتابا] إلى الرّعايا بها، وبالله العصمة والتوفيق:/ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
«الحمد لله مولي النّعم من حمدها، ومنزل النّقم على من كسدها، الكافل لشاكريها بالمزيد والثبات، الخاذل لمنكريها بالزّوال والفوات، الموالي بينهما لمن أحسن ولايتها، والقاطع رعايته عمّن أسأر رعايتها، الممتّع في ظلالها من ربطها بالعرفان، المغصّ بزلالها، من غمطها بالكفران يؤتيها
من يشاء إذا أكرم جوارها، وينزعها ممن يشاء، إذا جهل أقدارها. فله الحمد على توفيقه لحمده، ثم على سائر نعمه [من بعده. والحمد لله الذي بعث محمدا خاتم النبيين، وأرسله رحمة للعالمين، وهدانا به] إلى توحيده.
وكنّا في الجاهلية الجهلاء وأرشدنا إلى تمجيده، وكنّا في الفترة العمياء، وعلّمنا على لسانه، وفي محكم قرآنه الاعراف بنعمه، والاحتراز من نقمه، والارتباط بالشكر من مواهبه وقسمه. فصلوات الله على خيرته من خلقه، وصفوته من بريّته؛ محمد عبده ورسوله وعلى آله وأصحابه، والحمد لله الذي جعل الدّولة القاهرة الجغريّة محفوفة بالإعزاز، أين توجّهت راياتها، ومكنوفة بالإعجاز أين تليت آياتها، و [منصورة بالرّعب ميره شهر بل عام]، ومعتادة للظفر بمرام بعد مرام، وإرغام [للدّول بعد إرغام]. قد أعلى الله كلمتها ليحتجّ بها على الغامطين لجنّة، القاسطين في خلقه، فيأتي بنيانهم من القواعد، ويبعدهم بسيوفها البورق الرواعد».
فصل منه: «وعاود المنظلّمون مجالسنا، مستنفرين، وبآرائنا وراياتنا مستنصرين، فنفرنا بعون الله وقوّته في سائر أوليائنا وموالينا وخواصّنا وحواشينا،
وانقضضنا على الخائن كالنّجم الثاقب، وأحطنا به من جميع الجوانب، وبدأنا مرة بعد أخرى [بتذكيره أيام الله، فيمن نقض عهده وتعدّى حدّه، وخالف أمره وأمن مكره]، فلم يزده دعاؤنا إلّا فرارا، واستقالتنا إلا إصرارا، ومن غوايته استكثارا. إدلالا منه بوثاقة حصاره وتكاثف أنصاره. فحاكمناه إلى الله، ﷿، وناصبناه الحرب صباحا ومساء، وأسقيناه كؤوس الثّكل/ بأعزّته ملاء وولاء. وانفق لنا عليه أكثر من عشرين وقعة تجلّى منهم عن أسرى مكبّين، وجرحى مجدّلين، وقتلى مرمّلين ».
فصل منه: «وأما أرسلان فهو النّسر الواقع سنا وكبرا والنّحس الطالع عينا وأثرا فأثخنه بعض غلماننا بطعنة في آخر وقعاتنا، احتملت بروحه إلى النار لمجاورة الكفّار، وبئس عقبى الدار. فسقط الخائن في يديه عند انثلام حدّيه وانهدام ركنيه وفشا الفشل في رجاله، والنّهب في أمواله، فلم ير بعد للمناجزة مجالا وللمبارزة مساغا. وانحجر انحجارا أشبه فرارا، وألبسه خزيا وعارا. فلم تبد لنا صفة غواته إلّا على السّور كالنّسور، يلحقون بالأسياف والحجف، ويحامون بالأحجار والخزف، ظنا خائبا منه
بأنّ المصابرة والمطاولة تفضيان إلى العوائق المانعة من إرهاقه، والحوادث المنفّسة عن خناقه. فلمّا ألقت الشّتوة جرانها، ونثرت السّحائب جمانها، وجرّت العواصف أردانها، أوجب الرأي معاد الرّاية العالية إلى مقرّها للإجمام ومقامنا للإجهاز على الخائن والإتمام.
وأقمنا ببوشنج في خواصّ غلماننا، وجرائد خيولنا وفرساننا.
ونصبنا على الخائن المسالح والمراصد، وعسّرنا عليه المطالب والمقاصد.
وأخذنا عليه بأطراف الأرض وأقطار السماء، وقطعنا عنه مواد المر والمرافق، حتّى الماء، وهو مع ذلك يجاهد ويصابر ويباهت عقله، ويكابر ويقاسم المسلمين في هرات مساك أرماقهم وسداد إعوازهم [وإملاقهم]، وعلمنا نحن أنّ الخائن المليم لا يؤمن حتى يرى العذاب الأليم».
قلت: أبصر هذه البلاغة كأنّ في كل لفظة منها حساما يرد على طليته أو سنانا بلغ في كليته. وهناك ما شئت من تناسب وتناسق وتجانس وتطابق واستعارة من أخبار، والتفاتة من آثار، واختلاسة من أشعار. وإنّما اغترف/ منشئها من بحر غزير إذا اغترف سواه من نهر أو غدير.
وهذا حين أنتقل من نثار ورده إلى نظام عقده، وابتدىء من تشبيباته بما هو أمتع من برود الشّباب، وأنقع من برود الشراب [فمنها قوله في قصيدة مدح] بها [الصاحب] الوزير أبا نصر بن علي بن محمد بن عبد الصمد [الشيرازيّ] رجب سنة خمس وعشرين وأربعمئة، [وهي]:
وقفنا على دار لريّا نزورهاوقد خفّ أهلوها وغارت بدورها
أزرنا دموع العين دار الّتي لهاعلى البعد طيف لا بزال يزورها
وقد دثرت من بعدها غير أنّهاأجدّ غرام الزّائريها دثورها
عذيري من عين يفيض غروبهانجيعا ونفس قد تناهى غرورها
إذا اعتادها الشوق استجارت من الجوىبأسراب دمع ضاع من يستجيرها
وما أنس لا أنس العقيق وحسنهاوقد ناسب الآصال طيبا هجيرها
معاهد لا ينوي النزوع خليعهابهنّ ولا يرجو الخلاص أسيرها
بواد تحار العين فيه إذا اجتلتوقد عمّه عين الظّباء وحورها
إذا رام أن يصطاد منها مغرّرتصيّده من بينهنّ غريرها
ليالي كنّا بين لهو نثيرهوخشف نناغيه وكأس نديرها
فدلّت عليها الحادثات وإنّهاسجيّة دنيا لا يدوم سرورها
وقوله من أخرى مدحه بها أيضا:
أشبه الغصن إذ تأوّد قدّاوحكى الورد إذ تفتّح خدّا
وثنى للوداع في حومة البي... ن (بنانا يكاد) يعقد عقدا/
ولقد حاول الكلام فحاشىواشييه فأسبل الدّمع سردا
وإذا فاجأ المشوق جنود ال.... بين عبّى من المدامع جندا
لست أنسى وإن تقادم عهدعهد أحبابنا بنجد ونجدا
حين غصن الشباب غضّ ونجم ال... وصل سعد بحسن إسعاد سعدى
وغزالا قد أورث البدر غيظاوجهه الطّلق والغزالة حقدا
ألف الصّدّ والتجنّب حتىعلّم الطّيف في الكرى أن يصدّا
فسقى عهده العهاد وإن لميقض حقّا لنا ولم يرع عهدا
بل سقاه ندى الوزير فجدوىراحتيه أهنا وأجدى وأندى
ومن أخرى فيه:
بدا بالعتاب وثنّى بصدّوحلّ فأزرى بعقد عقد
وعلّم أصداغه الفاتنات ما في مودّته من أود
فطورا تعطّف كالصّولجانوطورا تحلّق مثل الزّرد
وإن ظمئت من طراد النّسيموردن ثنايا له كالبرد
ولمّا التقينا على غفلةوغاب الرقيب وزال الرّصد
وقد نظمت في أساريرهلفرط الحياء عقود النجد
أشار بساحرة للقلوبإليّ ونافثة في العقد
وما ضرّ لو جاد لي بالسّلاموروّح من بعض هذا الكمد؟
وقد كنت أرضى بنيل القليلوربّ غليل شفاه الثّمد
/ومن أخرى فيه أيضا:
أراعك أن تجري الدّموع كما تجريوقد جدّ من يجري إلى الوصل والهجر
أتعجب أن أرعى المصابيح في الدّجىوقد زالت الشّمس المنيرة عن حجري؟
أيجمل تأنيبي) وجمل سرت بهاجمالية تشأى الجمائل إذ تسري؟
لك الله من قال له لفظ وامقيرى أنّه يسلي ولكنّه يغري
يكلّفني الصّبر الجميل وإنّمايجرّعني كأسا أمرّ من الصّبر
وساحرة الألحاظ لم أدر قبلهابأنّ تناهي الحسن ينفث في السّحر
تردّ الغصون المائدات بحسرةوتثني البدور الطّالعات على وتر
نأت فرمت قلبي من الشّوق بالّذيرمى لذعه سمعي عن العذل بالوقر
ولا أنس يوم البين إذعاق وصلناتقلّب أيام تفلّ كما تبري
وقد ألصق التوديع خدّي بخدّهاكما انضمّ موشيّ الرّياض إلى الغدر
فلم أر يوما كان أكثر أدمعاتفيض وأحشاء طوين على جمر
فسرت ولا غيلان يندب ميّةوسارت ولا الخنساء تثني على صخر
وكلّ يرى أنّ النّوى يورث الهوىفتورا، وأنّ النأي يفضي إلى الغدر
عذيري من قلب تعذّر كفّهكمهر خلا المرعى خالع العذر
إذا أعجبته نظرة أسرعت بهإلى زفرة تمتدّ أو عبرة تجري
أزال الشباب الغضّ في طاعة الهوىوأخنى على نواره المشرق النّضر
/
فوافته روّاد المشيب مغذّةوجنح الدّجى رهن وإن طال بالفجر
فلم يبق منه غير أطلال ظاعنوعمّا قليل ليس يبقى سوى الذّكر
ومن غزلياته الرّقيقة المشتملة على المعاني الدّقيقة
لو كنت أعلم أنّ هجرك دائملمنعت حبّك أن يطور فؤادي
أو كنت أعلم أنّ نوءك مخلفلمنعت طيفك أن يزور وسادي
ولكنت أربح فيك غيض مدامعيوسلوّ أحشائي وطيب رقادي
لكن ظننت بأنّ جدّي ربّمايجدي ويغنم فيك طول جهادي
ويجود لي حثّ الجياد وكدّهابالرّيّ من غللي وفرط جوادي
ولربّما أكدى وإن بلغ المدىحذق الطّلوب وحيلة المرتاد
وقوله:
عاد رسم الكلاكلات الطّوالفانثنت، صبوتي وعاد خبالي
ولقد تبت برهة فبدا ليحسنها في اطّرادها فبدا لي
ما لقينا من مرسلات طوالأسلمتنا إلى ليال طوال
حالكات كأنّها العذب السّود أنافت على قدود العوالي
متعبات من النّسيم تراهاأبدا في بدال لام بذال
وإذا ما ظمئن أوردن ريقابردا من ضواحك كاللآلي
فهي تسقى من ذوبهنّ سلافاقد أحلّت فلا تفيق بحال
أكسد المسك طيبهنّ وأزرىبالغوالي فهنّ غير غوال/
أيأست ثم أطمعت حين لاحتفي سواد النّوى وعرف الوصال
وقوله:
قد عيل صبرك بعد اسماعيلفنظمت واكف عبرة بعويل
بهر العقول (كماله وجمالهفغدا جميل الصّبر غير جميل
أفديه من قمر تقرّ بحسنهأقمار هذا العصر بالتّفضيل
أفدي غزالا في كناس غلالةوغزالة في مشرق المنديل
يرنو إليّ بساحرين أراهماأولى من الشّفتين بالتّقبيل
ويفيض عين السّلسبيل بثغرهويفيظ من ظمأ الهوى برسيل
لو كان يعلم ما بنا لرثى لناشفقا بنقد منه أو تأميل
والنّفح ليس يغضّ من زهر الرّباوالورد ليس بناقص للنّيل
ولربّما سمح البكيّ بدرّهوشفى الغليل تعلل بقليل
وقوله فيه أيضا:
قالوا: رأيت كإسماعيل من رشأ؟فقلت: شرواه في دار الخلود يرى
من ذا رأى الحور في الدّنيا معاينةأم من يشاهد ما بين الورى قمرا؟
أعجب به بانة فرعاء ناضرةتري عنا قيد من مسك لها ثمرا
إذا بدا وجهه أو لاح مبسمهأو جاد بالقول إمّا قلّ أو كثرا
رأيت في عارضيه الدّرّ منسكباوالدّرّ منتظما والدرّ منترا
سبحان خالقه ما كان أقدرهأن يفضح العقل أو أن يفتن البشرا!
لو شاء أوسع أهل الأرض قاطبةمن ثغره سكّرا أو طرفه سكرا
/
وقوله في غيره:
شدّ النّطاق بخصرهفغدا فريدا في جماله
يجنى اللّجين من الجبال فكيف ردّ إلى جباله؟
وقوله:
أفدي بروحي من قلبي كوجنتهفي الوصف لا الحكم فالأحكام تفترق
أعجب بحرقة قلب ماله لهبومن تلهّب خدّ ليس يحترق!
وقوله:
بدا للعيون كبدر الدّجىأحيط بخطّ من الغاليه
فخطّ تسنّن في زيّنهوخدّ من الشّيع الغاليه
وقوله وهو مما يتغنّى به:
أنعم عليّ بما مثلي به قمنولا تبيعنّ عبدا ما له ثمن
وليجمل الصّنع من دان الجمال لهوليحسن الخلق ممّن خلقه حسن
لا تأثمنّ بظنّ في أخي ثقةوفي القلوب شهود إذ عرت ظنن
واخبر بقلبك إخلاصا أمتّ بهفخالص التّبر بالأحجار يمتحن
وقوله [أيضا]:
نهيت الدّموع فلم تقصرولمت الفؤاد فلم يبصر
وعرّست في منزل داثرفألفيت وجدي لم يدثر
وذكّرني رسمه غدرهفحنّ الفؤاد ولم يغدر
فظلمة عيشي وتنكيدهلبعدي عن القمر الأزهر
وشقرة دمعي وتوريدهلوجدي على الشّعر الأشقر
وقد يحلك المسك لكنّهتورّد من خدّه الأحمر
/ ومن خمرياته [التي ترتاح لها كؤوس الشراب فتبسم عن ثغور الحباب قوله]:
دعوت نديمي للغبوق فكبّراوقام بنظم الشّمل فيه وشمّرا
وأنبت من زهر الأحبّة روضةوأجرى من الرّاح السّبيئة كوثرا
وأنحى على سود تبطّحن بيننافطلّ دم منها أريق وأهدرا
وأذكى لنفي الليل نارا وقهوةوأغرى بطرد الهمّ نايا ومزهرا
وأقعد عن يمناي شمسا منيرةوأوقد من يسراي شمعا منوّرا
فأطلع من كفّيّ رطلين أشبهاشهابين لاحا للعيون فغوّرا
شرابا ذكا قبل البزال» وميضهفأطربنا قبل المذاق وأسكرا
وأنشا يغنّيني بشعري وشعرهويودع في الأسماع أريا وجوهرا
فبتنا بليل صاب مزن سرورهفأورق غصن اللهو فيه فأثمرا
وأشرق من لألائه الجوّ فاستحىسنا الصّبح فيه أن ينير ويسفرا
فكم قد لثمنا فيه من وجه غادةكسوه من نسج الفواقع معجرا
وكم قد تنقّلنا بثغر مفلّجأهبّ لنا مسكا وأطعم سكّرا
فيا ليلة طالت وطابت، وعهدنابأمثالها من رجعة الطّرف أقصرا
ومن كان مثل الشاركيّ شريكهعلى اللهو طال الذّيل منه فجرّرا
نعمت بخوارزم بها فكأنّنيبقطربّل في مسرجي أو بعكبرا
وعلى ذكر الشاركيّ، فقد أنشدني السيد العالم، ﵁، لنفسه، قصيدة له ألفيّه، تنخرط في سلك/ الخمريّات، ما رأيت ولا رويت أبدع منها ولا أرع:
أرى الشاركيّ شريك الزّمانشديد الصّدود كثير الجفاء
قصير النّدام سريع الفطامزهيد السّلام عزيز اللقاء
يواصلنا ليلة فردةويهجر عشر الفرط اجتواء
فإلمامه فلتة المبدعينوإغبابه فترة الأنبياء
كأن لم ير الفضل ملء الاهابلدينا ولا الأنس ملء الرّداء
ولم ير للطارق المستضيف رحب الفناء ورعب الإناء
أتنسى ليالينا الزّاهراتوأرحلنا المزهرات الفناء؟
ليالي الشتاء وأوفى الزمانبأنس الكرام ليالي الشتاء
وليلة أنس أضاءت لناجلابيبه مثل رأد الضّحاء
وردنا بها العيش عذب المذاقوزرنا بها اللهو طلق الرّواء
صفت عن قذى فوجدنا الزّمان أقبل فيها بوجه الصّفاء
فبتنا نمزّق برد النّفاقعلينا ونلقي رداء الرّياء
وندفع عنّا عسوف الشّتاءبنار الصّلاء ونار الطّلاء
ونجلب فيه نسيم الربيعبنشر الشّمول ونشر الكباء
ونركز ما بيننا ذبّلاتنضنضن لا للوغى واللّقاء
قنا تقتنى لطعان الدّجىونفي الصّداعن متون الهواء/
وقد أينعت في حبير الحبوربروق المدام رعود الغناء
ولجّ السقاة (بهات وهاءوعجّ الحساة بهوي وهاء
ودار علينا بأكوابهامزيل الظّلام مديل الضياء
غزال من التّرك حشو القباءيدير الغزالة حشو الإناء
يرقرق في الكأس أنس الحزينوعذر الخليع وغيظ المرائي
وينظم بالمزج درّ الحبابوينظم في المزج درّ الحياء
كؤوسا تدار على الانتخاببغير اتّساق وغير اقتفاء
ملاء ولاء وما ساق بال... هموم كمثل الملاء الولاء
وردن الشّفاه بأرواحهاوأفلتن منها بأدنى ذماء
وقد رقد الدّهر عن عصبةكسمط الثّريّا وسام وضاء
بدور الوجوه سنى في سناءبحور الأكفّ غنى في غناء
فيا لك ليلا عديم المثالعطيّة دهر عديم السّخاء
قصير البقاء. ووقت السرورقليل الثواء قصير البقاء
وله من أبيات خمريّة في قصيدة فخريّة. وفيها أنموذج من طرده، يدلّ على حسن تهدّيه في نظمه وسرده:
ولكم رعيت العيش وهو مفتّقوهززت غصن الأنس وهو رطيب
وشققت جيب اللهو في صدر المنىولقد تشقّ من السّرور جيوب
وأجبت هاتفة الصّباح بنعرةأضحى لها بقلوبهنّ وجيب/
ولقيت (مائرة النّشاط) مرّحبابلسان زير واللّغات ضروب
وشربت كلّ معتّق متعصفرلسناه قبل مذاقه تطريب
قد ربّه زمنا وساس دنانهكسرى أبو ساسان وهو ربيب
وأغرّ من كمت الكريم يزينهمن عكسه التّحجيل والتّحبيب
صاف بها يصفو السرور كأنّهذوب النّضار به الهموم تذوب
شربا كما انقضّ الكواكب لا يرىفي دوره نسق ولا ترتيب
وأثرت كدر الطّير من أوكارهاوالجوّ أكدر والثّرى مهضوب
والصّبح يبدو في الظّلام كما انجلىبعض الحسام وجلّه مقروب
بمعلّم صرم تخال إذا انهوىفي كلّ جارحة له ألهوب
قد زين بالإحراق فضّة زورهويزين موق وظيفه التّذهيب
يفري فريّ الخاطفات كأنّهقدر على قمم القطا مصبوب
ورميت غزلان الصّريم بأقدحمبريّة يرمى بها فتصيب
خذم السّبوت إذا أرين غروبهادمعت لآرام الظّباء غروب
فصرعت جاهدها بعفو هناتهاوالدّهر أغلب، قرنه مغلوب
ومن فخرياته التي [يطويها على] لسان الآباء، وخلّد بها مناقب الابناء، وتغلغل خاطره في معانيها تغلغل النّار في الأباء، قوله من قصيدة فريدة أوّلها:/
أقامت على نأيها زينبوساعدها طيفها الخلّب
وما فاتني اليوم غرّ الرّجالولا خانني اليد والمقضب
وما ارتبت أنّ نواصي الجيادحبال المآرب إذ تجذب
ولا أتّقي مذهبا كان لي أوعليّ إذا ضاق بي المذهب
ولكنّ عجفا كزغب القطاوولهى إلى جنبها تندب
وشيخا لنا من حتوف العثاريغيث العشيرة إذ تجدب
لقد قصّر الدّهر من خطوهفقصّر في دفع ما يحزب
هم ذلّلوني لريب الخطوبوكنت عليهنّ أستصعب
وهم صفّقوني حتى عذبتوكنت ممرّا لمن يشرب
ولولا هم كنت أحمي الذّماروآبى الصّغار ولا أصحب
خليليّ قولا وردّا عليّإذا ارتبتما في الذي أطنب
علام لوى الدّهر ديني ولمأطال مطال الذي أطلب؟
وإنّي عقد على نخرهوتاج بمفرقه يعصب
أقصّرت في غاية عن بنيهـ أم حاد عن نيلها لي أب؟
تعبّر عن منبتي فارسوتعرب عن منصبي يعرب
وأضحت خراسان ليلا دجافلم يسر (غيري بها) كوكب
ولي من نبيّ الهدى رتبتانإليه بكلتيهما أنسب؛
فأصل مناكبه تعتليوفضل مشاربه تعذب
أقرّ العدوّ بها والوليّ (م ...) واعترف الشرق والمغرب
وله من أخرى:
وإنّي من قوم إذا ما تنمّر الليالي تلقّوا صرفها بالتّنمّر
جديرون أن يستصغروا كلّ مكبرويزروا بقدر الأبلخ المتكبّر
بدا في) الورى في كلّ يوم تقدّمصدورهم في كلّ يوم تصدّر
بقرباهم قد ساد كلّ خليفةوبالأمر منهم ساس كلّ مؤمّر
إذا ما دعوا (يال النبيّ) تضعضع الررواسي (لأعلام رواسيّ تستر
بنى الله فوق السّاريات بيوتنابأحمده المحمود ثمّ بحيدر
تقلّبنا كفّ الوصيّ وحجرهويرضعنا درّ النبيّ المطهّر
ونحن تنقّذنا الأنام من العمىووشك الرّدى والجاحم المتسعّر
ونحن كسرنا الوثن والصّلب كلّهاونحن وسمنا أنف كسرى وقيصر
ونحن أمان النّاس من كلّ موبقونحن نجوم الأرض في كلّ معذر
فيدعو لنا في الفرض كلّ موحّدويدعو بنا في الفضل كلّ مكبّر
ويسمو إلى تفضيلنا كلّ موقنويفضي إلى تنقيصنا كلّ ممتر
ويفخر جهلا عندنا كلّ أرعنيزاحم رعن الأخشب المتوعّر
يكاثر غزر القطر عند انهلالهويكثر من نبح الهلال المنوّر
فما لي لا أستنزل النّجم قاعداوأحني لقى من ذروة المتجبّر/
وما لي أستسقي (ولي كلّ آلةتنزّل درّ الآل في كلّ مقفر؟
وقد ذفت من حلو الزّمان ومرّهوجرّبت طوري؛ عرفه ولتّنكّر
فلم أر أزرى بالعلا من تسوّفولم أر أحوى للمنى من تشمّر
قضيت لأقلامي ديونا كثيرةوقد حلّ دين المشرفيّ المشهّر
[وذبّيت دهرا عن دسوت حللتهاوقد حان ذبّي عن سريري ومنبري]
وقال يرثي والدته، رحمة الله عليه:أيدري الذي ينعاك من ذا الّذي ينعى
وأيّ لهيب يودع القلب والسّمعا؟
فيا عين جودي وانزفي كلّ مدمعوجودي بإنسانيك إن عدما الدّمعا
لقد هدّت الأيّام ركنا من التّقىوأقذين عينا تكلأ المجد والشّرعا
وأهدت إلى آل النّبيّ رزيّةأطالت مدى الأيام واستوفت النّزعا
وأبرزن بيضات الخدور حواسراوأدمعها حمرا وأوجهها سفعا
يروق الدّم الجاري من العين بعدهاكسلك من الياقوت أسلكته جزعا
دهتني بالأصل الّذي أنا فرعهألا كلّ أصل مرّ يستتبع الفرعا
مقلّدة من خوف خالقها حلىولا بسة من صون خالقها درعا
رأت دهرها لم يتسع لهمومهاوأفعالها الحسنى فضاقت بها ذرعا
ولو غالها غير القضاء ولا ترىلحتم قضاء الله في خلقه دفعا
لسدّت بنوها الأفق بالخيل والقناوردّت شعاع الشّمس في نسجها النّقعا
لحا الله ذي الدّنيا مرادا ومنزلافما أغدر المثوى وما أوبأ المرعى! /
تدلّل كالحسناء في حسن وجههاولكنّها في قبح أفعالها أفعى
نرى أننا نسعى لخير ننالهوقد وطئت أقدامنا حيّة تسعى
فوا أسفا لو كان يجدي تأسّفويا حسرتا لو أنّها نفعت نفعا
ويا نفس لا بدع لظهرك في الأسىفليس الذي فاجاك نكرا ولا بدعا
ويا قلب سمعا للعزاء وطاعةتطع بهما العقل المنبّه والسّمعا
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع