من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
الفقيه أبو محمد عبد الرحمن بن محمد الدوغي
من عباد الله الصالحين، رأيته بنيسابور يختلف إلى دار الشيخ المؤيّد القاضي أبي عمرو البسطاميّ، ويكرر وظائف الفقه على أولاده، ويقدم أورادهم على جميع أوراده. وفيه من لين العشرة، ولين الجانب، وسلامة الناحية، ولزوم العافية في الزاوية، ممّا يستميل إليه الأهواء، ويؤلف عليه الآراء. فمما أنشدني لنفسه من شعره قوله في صفة الشّمع:
وباكيات قصر الأعماربأدمع صفر لها جوار
إذا امتطت مراكب النّضاروبرزت لأعين النظّار
عاد ظلام الليل كالنهار
وقوله:
يا خاضب الشيب كي تخفى بواديهوقد نهاك عن اللذات ناهيه
هب أنّك اليوم قد غلّطت مبصرهفكيف تغلط فيما أنت تدريه؟
وقوله:
لا تعجبوا من غلوّي في مودّتكمفأنتم بمحلّ السمع والبصر
إن تحسنوا فلكم شكري ومحمدتيوإن تسيئوا فمحمول على القدر
قد يشرب الصفو أحيانا أخو ظمأوقد يكون له شرب على الكدر
وله [أيضا] في العزلة:
وقد لازمت قعر البيت حتّىكأنّي بعض أحلاس البيوت
(وافز)
إذا ما البحر ماج فليس فيهلمن رزق السعادة من ثبوت
وله [أيضا] في غرض عرض له:
تسيء إليّ ثمّ تريد شكري؟لعمري لست فيه بالمصيب
ربحت عليّ إذ لم أبد شكويفدع ما قد يريب من الأريب
وله [أيضا] في غير معناه:
متى ترجو خلوص الودّ منّيولم يك في اصطناع منك همّه؟
/
فلا تطلب لديّ لسان صدقوجاوزني عساك تنال ثمّه
وقرأت له فصلا، كتبه تحت أبيات شعر له، كتبها على ما سمح به الخاطر، لا للحكم لأنّه نادر، ورجوت أن يذكرني بها ذاكر. وهذا كما حكي عن بعض أهل الأبلّة أنه غرس وديّة واحدة في موضع منها، مع كثرة نخيلها وأشجارها، وخضرها وأنهارها، وكتب عليها: «هذا ما أمكننا»، فصار ذلك الموضع من أعجب متنزّهاتها، وأطيب جنانها.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع