من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
الأديب أبو يوسف يعقوب بن أحمد
وقد أشرت [إلى طرف من ذكره أول] هذا الكتاب وسأشير إلى طرف من شعره في هذا الباب. وهو متنفّسي من بين أهل الفضل
وموضع نجواي، ومستودع شكواي. ثم لا أعرف اليوم من ينوب منابه في أصول الأدب محفوظا ومسموعا، حتى كأنّ قرانه /، أوحي إليه مفصّلا ومجموعا. فتأليفاته للقلوب مآلف، وتصنيفاته في محاسن أوصافها وصاف ووصائف. والكتب المنقّشة بآثار أقلامه تزري بالروض الضاحك غبّ بكاء رهامه، وتعجز الوصّاف الحاذق، على بعد مطارح أوهامه فكم منفسات من تلك الدّرر جعلتها لقلائدي هذه أوساطا، وكم مرويات من تلك الدّرر، وردت منهلها العذب التقاطا، فلم أر بها حماما ورقا، يردن جماما زرقا ولا غطاطا يلغطن كالنّببط، إلغاطا.
اللهمّ إلّا فرّاطا، من الظمأ إلى زلال الفضل، يصدعون إليه أردية الليل
البهيم، ويشربون [منه] شرب العطاش الهيم. وكان من أوكد الأسباب الدواعي إلى تأليف هذا الكتاب بعثه إيّاي عليه، وإهابته بي إليه.
فللزجر ألهوب، وللساق درّةوللسوط مني وقع أخرج مهذب
ومحلّه مني داخل تحت قولي فيه:
يعقوب عمّي وغير بدعوعمّ قلبي ولاء عمّي
ودّي له كالصباح عارولا أورّي ولا أعمّي
فمما أنشدني لنفسه من معانيه الأبكار التي لا تقرع إلا بدقائق الأفكار قوله:
تظنّ علوّ المرء بالمال حازهوليس بعال معدما وهو ماهر
لقد ملت عن نهج الصواب معانداأمالك عن مسخوط رأيك زاجر؟
/ فممّ علوّ البدر والمال غائب؟وفيم سفال الكنز والمال حاضر؟
وكتب إلى العميد أبي بكر القهستانيّ عند منصرفه عن ديار الغربة:
كلامك روح أجسام الكلامولفظك فاعل فعل المدام
ودونك كلّ ممدوح كلاماوعبدك كلّ حرّ في الأنام
لعمر علاك هل أبصرت مثلالنفسك في شمائلك الكرام؟
بمصر وغيرها من كلّ مصروفيما طفت من يمن وشام
وفي أرض العراق بلاد يمنوحيث حللت بالبلد الحرام
فكيف وأنت فذّ في المعاليفريد في مكارمك التّؤام
وكتب إليه أيضا:
يا أبا بكر عليّاما رأى مثلك أنس
أنت في الحزن سرورأنت في الوحشة أنس
أنت غيث أنت بدرأنت ليث أنت شمس
أنت للسؤدد قطبأنت للعلياء أسّ
إن تحمّلت فقدسأو تكلمت فقسّ
وأنشدني لنفسه في الأمير أبي الفضل الميكاليّ:
رأيت عبيد الله يضحك معطياويبكي أخوه الغيث عند عطائه
وكم بين ضحّاك يجود بمالهوآخر بكّاء يجود بمائه
وكتب إلى القاضي أبي جعفر. البحّاثيّ:
أبا جعفر كم جعفر من مدامعترقرقه ذكرى ليال تسلّفت
طلعت بها شمسا وقد غاب بدرهافما زلت طلق الوجه حتى تكشّفت
وشعشعت راحا من حديثك دونهامعتّقة صهباء في دنّها صفت
/ ودبّجت روضا من بنانك أعجبتوهيّجت رقشا من هجائك أتلفت
وشرّدت ألّاف الحيا فتشرّدتوألّفت شرّاد النّهى فتألّفت
وقرطست مرمى القول حين رميتهإذا كفّ رام من مراميه أخطفت
فهزل ولا كالبابلية صفّيتوجدّ ولا كالمشرفيّة أرهفت
وبسط يضاهي غرّة النّجح أشرقتوبشر يحاكي طرّة الصبح أشرفت
ولا سيّما ليلا كليلة يوسفرأيت بها طير السعادة رفرفت
تجمّع فيها ما اشتهيت من المنىبأخوان صدق كالكواكب أردفت
وكتب إلى الشيخ أبي طالب البغداديّ الآدمي في هذا المعنى، ونقل القافية.
من الفاء إلى القاف:
أبا طالب نفسي تنازع ليلةطلعت بها بدرا منيرا فأشرقت
وحولك إخوان أجدّ لقاؤهممن الأنس أثوابا أمحّت وأخلقت
وكان المنى أسرى النوائب والنّوىففاديتها بالنفس منك فأطلقت
وندّيت روض المكرمات فنوّرتوسقّيت دوح المأثرات فأورقت
وهزهزت أسياف الهجاء فصمّمتوحثحثت أفراس المديح فأعنقت
فجدّ كما شمت الصفيحة جرّدتوهزل كما شئت المدامة عتّقت
فيا ليت شعري هل أراها معادةعلينا فعيني من هواها ترقرقت؟
وله أيضا من غزلياته:
/ حلاوة أيام الوصال شهيّةولكن ليالي الهجر أمررن طعمها
ولي كبد حرّى ونفس عليلةكليم تولّى) كلمها البيض كالمها
وله أيضا:
هل عاجب أنت مثلي؟فإنني جدّ عاجب
من حاجب مثل قوسيزري بقوس لحاجب
وأنشدني لنفسه وأنا أدّعي فيها الإبداع:
لا تحسب الخال الذي راعكمإلّا سويداء فؤادي الكلف
أراد لثم الخطّ في خدّه الموصوف بالحسن فلم ينصرف
وله [أيضا] في [ذمّ الدهر]:
الدّهر أخبث صاحبواللؤم من أوصافه
إن شئت أن تحظى بهكن مثله أو صافه
[وله] [أيضا] في قريب منه:
الجدّ أبلى جدّتيوالسّعي أوهن ساعدي
ما كان تغني حيلتيوالجدّ غير مساعدي
وله يفتخر، وقد بلغه أنّ بعض حسدته عيّره فرط عنايته بمؤلفات الثّعالبيّ، وهو من فروع الأدب وثماره، والاشتغال بالأصل أولى؛ إذ هو ريّض في مضماره. واللفظ إلى هاهنا للأديب يعقوب:
وناقص قد غاظه فضليينسبني جهلا إلى الجهل
يغضّ مني أنّني خائضغمار بحر الأدب الجزل
ونائل أقصى المنى جامعامحاسن الفرع إلى الأصل
/ ولو جرينا لدرى أيّنايحوز سبقا قصب الخصل
إليك عني إنّ في فيّ مايزري مضاء بظبى النّصل
واخس كما يخسا أبو خالدعن صولة اللّيث أبي الشّبل
وله [أيضا] في الهجاء:
لنا صديق أيره ميّتلكنّما فقحته حيّه
أبغى من الإبرة لكنّه،بزعمه، ألوط من حيّه
وله [أيضا] في شكاية الإخوان من قطعة:
[وزنت إخواني لامريةبكفّتي خبري وتجريبي]
فكلّهم أروغ من ثعلبوكلّهم أغدر من ذيب
حدّثني الأديب يعقوب، ﵀، قال: دخل القاضي أبو جعفر البحاثيّ على الحاكم أبي سعد بن دوست قال: عن لي بيتان في معنى، وهما:
ليت شعري إذا خرجت من الدنيا وأصبحت ساكن الأجداث
هل يقولنّ إخوتي بعد موتي:رحم الله ذلك البحّاثي؟
[قال]: فاقتدى به فيهما الشّيخ أبو مسعود أحمد بن عثمان الخشناميّ، وقال:
ليت شعري إذا تصرّم عمريودنا الموت وانقضت أيامي
هل يقولنّ إخوتي بعد موتي:رحم الله ذلك الخشنامي؟
قال: فلمّا لحقا باللطيف الخبير قلت محققا ظنونهما، ومصدّقا تخمينهما:
يا ابن عثمان كنت خلّا ودوداناصح الجيب ذا سجايا كرام
فطوتك المنون دوني طيّاوكذاك المنون قصر الأنام
فأنا اليوم قائل كلّ وقترحم الله ذلك الخشنامي
قال: وقلت للقاضي:
/ يا أبا جعفر بن اسحاق إنّيخانني فيك نازل الأحداث
وهوى عن مصاعد النجم قسرابك تحت الرّجام في الأجداث
فلك اليوم من قواف حسانسرن في المدح سيرها في المراثي
مع كتب جمعن في كلّ فنحين يروين ألف باك وراث
قائل كلّها بغير) لسان:رحم الله ذلك البحّاثي
وأنشدني لنفسه في الشيب:
أرى زمن الشبيبة قد تقضّىوأخلق برده الغضّ القشيب
ووافاني المشيب كما تراهفما عيشي وقد وافى المشيب؟
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع