من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
الأمير أبو ابراهيم نصر بن أحمد الميكالي
ولا أعرف صفة للفضائل التي اجتمعت فيه، أوجز من أن أشبّهه بأبيه أو أخيه. وكان، رحمة الله عليه، أعلم بأصول الأدب الجزل من أخيه أبي الفضل. وأبو الفضل أجمع منه لثمار الفضل. أنشدني له الأديب يعقوب/ قال:
وهو مما أملاه عليّ وأهداه إليّ:
يالبرد قد أفقد الماء حتّىبلّة الوحل في طريق السوق
يعهد (الماء باثقا) لسكوروهو الآن ساكر لبثوق
جمّد الدمع في الشّؤون كما قدجمد الماء في مساغ الحلوق
وأنشدني أيضا له قال: أنشدنيه لنفسه:
قالوا: تمهّل في الّذي ترتجيبلوغه من نافع الأمر
قلت: التأنّي مظفر بالمنىلكنّه يجحف بالعمر
وله أيضا:
يا قومنا لا تضيعواذمام كلّ حميم
ولا تحلّوا جحودابكلّ حقّ قديم
وذكّروا النفس وعظابقول ربّ رحيم
إني أخاف عليكمعذاب يوم عظيم
وله أيضا:
عليك أرى القصيدة تستطيلوعمّا ترتضيه تستحيل
إذا ما كنت منها مستغيثافأنت حليلة وهي الحليل
قلت: الحيلة الحيلة [في المخلص] من هذه الحليلة. واختر لنفسك أن تكون بعيدة عن القعود مع هذه القعيدة، ولا يعجز عن عرسه إلا الذي يلؤم في غرسه، ومن وضعت طلّته من قدره، [فلا أفلحت مطلّته] على صدره.
وله أيضا:
/ بلينا بقوم إذا ما عددتآباءهم لم تجد غير أب
حسيبا ولا بقديم الغنىفكلّهم قاعد في النسب
وله أيضا يهجو:
عصيت على) المناصح والمشيركأنك لست تؤمن بالنّشور
حويت لبوب أوقاف اليتامىوآثرت اليتامى بالقشور
لذذت السّحت حتى صار أشهىبحلقك من جنى أري مشور
خوانك كالمصاحف للنّصارىعليه الخبز أمثال العشور
الأستاذ أبو عبد الرحمن محمد بن عبد العزيز النّيليّ
﵀، رأيته شيخا، قد أخذت منه الأعصر. يمشي فيقعس، أو يكبّ
فيعثر. وكتبت منه الحديث، ورويت عنه الشعر. لا بل استمليت منه السحر، جامعا منهجا بين التحجيل والغرّة، وقارنا بهما الحجّ الى العمرة.
فمما ذنّب به إملاؤه ما أنشدنيه لنفسه [وهو]:
أشفقت لمّا حلّ أصداغهساحة خدّ جمره محرق
فانقلبت أصداغه كلّهاسالمة واحترق المشفق
البيت الأخير ينظر إلى قول المتنبّي:
وبسمن عن برد خشيت أذيبهمن حرّ أنفاسي فكنت الذّائبا
وأنشدت بيتيه أبا نصر الجرسوريّ، فكان من محسني شعراء العجم، مختلطا بأسود ذلك الأجم. فترجمهما على نفس لم يقطعه وريق لم يبلعه بقوله:
/ سخت بترسيدم [از] زلف ترازاتش رخسار تو چون بر فروخت
زلف تو بركشت بى آزار ازووانكه همى ترسيد (از وى) بسوخت
فجاء وكأنّ الأول والثاني مصبوبان في قالب واحد. وأنشدني أيضا لنفسه في مجلس إملائه بنيسابور يوم الجمعة بعد الصّلاة سنة أربع وثلاثين وأربعمائة:
إذا اتّخذت أخا فاجتزه في غضبهفإن يكن منصفا فاركن إلى سببه
وإن تعدّى فكن منه على حذروإن تكامل (قبل السخط) في أدبه
لا يخدعنّك منه لين جانبهفحين يغضب يشكو سوء منقلبه
وأنشدني لنفسه أيضا:
إني إذا أمكنتني ساعة سعةزيّنت بالبذل أو صافي وأحوالي
ولم أردّ وإن أصبحت ذا ضجرمن الخصاصة بي آمال سؤّالي
أمّا الشّكور فزين لي إعانتهأو الكفور فعرضي صنت بالمال
وله أيضا من قطعة:
لا كان في عيني مجال للسّنةوجعلت عرضي عرضة للألسنة
إن ذقت طعم العيش بعدك ساعةورأيت يوم البين إلّا كالسّنة
وأنشدني أيضا لنفسه:
عركتني الأيام عرك الأديموتجاوزن بي مدى التّقويم
وغضضن اللحاظ منّي إلّاعن هلال يرنو بمقلة ريم
لحظه سقم كلّ قلب صحيحثغره برء كلّ جسم سقيم
/ومن غزلياته الرقيقة قوله:
سقطتّ لحيني في فراش لزمتهأضمّ إلى قلبي جناح مهيض
وما مرض بي غير حبّي وإنّماأدلّس فيكم عاشقا بمريض
وأنشدني أيضا والدي، ﵀، له:
طالع يومي غير منحوسفسقّني يا طارد البوس
كأسا كعين الديك في روضةكأنّها حلّة طاووس
وله أيضا فيما يتصل بالخمريات:
هذه ليلة لها بهجة الطاووس حسنا واللون لون الغداف
رقد الدّهر فانتبهنا وسارقناه حظا من السّرور الشافي
بمدام صاف وخلّ مصافوحبيب واف وسعد مواف
وفي قريب منه:
ويوم سعد حسن البشرعذب السّجايا طيّب النّشر
لم تقذ عيني بأذاه ولميطر فؤادي بيد الذّعر
فلم يرعني لا ولا ساءنيكعادة الأيّام في الشرّ
شبّهته منتزعا من يداكأحداث ذات الشّرّ والضرّ
باللبن السائغ ذاك الذيمن بين فرث ودم يجري
وكتب إلى أبي نصر سهل بن المرزبان، وقد لسعته عقرب على قدمه.
فلما وجدت وقتلت زال الوجع وحصل الشفاء المرتجع:
/ يا عمدة الأمراء والوزراءيا عدّة الأدباء والشعراء
يا غرّة الزمن البهيم وناظر الكرم الصميم وأوحد الفضلاء
أرأيت همة عقرب دبّت إلىقدم بها تخطو إلى العلياء؟
لمّا ارتقت باللسع أعظم مرتقىأخنت عليها رتبة العظماء
إن ذقت ضرّاء العقارب فابقينبعقارب الأصداغ في سرّاء
يا طيب لسعة عقرب، ترياقهاريق الحبيب بقهوة عذراء
وله يصف فرسا أهداه اليه ممدوحه:
يا واهب الطّرف الجواد كأنّماقد أنعلوه بالرّياح الأربع
كالجاحم المشبوب أو كالهاطل المصبوب أو كالباشق المتفرّع
لا شيء أسرع منه إلّا خاطريفي شكر نائلك اللطيف الموقع
وأنشدني أيضا لنفسه:
ألا يا أخا الدّنيا تشمّر لرحلةوإن أبطأت لا ريبة في اقترابها
وكم من حريص يستلذّ بحبّهاشدائد ما يعتاده في طلابها
وكم قانع لم يختدعه نعيمهالإيقانه علما بوشك دهابها
فأغنته عن كدّ الطّلاب قناعةوكان الغنى عنها يفوق الغنى بها
وأنشدني أيضا لنفسه:
مكرم الدّنيا توقّففهي ليست بكريمه
لا ترم فيها مقامافهي ليست بمقيمه
/ وأنشدني أيضا لنفسه:
[كم فقير بحرصهوهو في ماله سعه]
وغنيّ بلا يسار ولكن بمقنعه
من كفاه من الغنىما كفاه وأشبعه
وهو راض بما كفاهـ فكلّ الغنى معه
الشيخ أبو منصور عبد الملك بن محمد بن اسماعيل الثعالبيّ النيسابوريّ
جاحظ نيسابور، وزبدة الأحقاب والدّهور. لم تر العيون
مثله، ولا أنكرت الأعيان فضله. وكيف ينكر، وهو المزن يحمد بكلّ لسان؟ أو [كيف] يستر وهو الشمس، لا تخفى بكلّ مكان؟ وكنت أنا بعد فرخا أزغب، في الاستضاءة بنوره أرغب.
وكان هو ووالدي [رحمة الله عليهما] بنيسابور لصيقي دار، وقريبي.
جوار. فكم حملت كتبا تدور بينهما في الإخوانيات، وقصائد يتقارضان بها في المجاوبات. وما زال بي رؤوفا عليّ حانيا، حتى ظننته أبا ثانيا، رحمة الله عليه [كلّ صباح تخفق رايات أنواره، ومساء تتلاطم أمواج قاره].
ووجدت بعد وفاته مجلّدة من محاسن أشعاره، وفيها ثمار بيانه، وعليها آثار بنانه.
فالتقطت منها ما يصلح لكتابي هذا من أوساط عقودها، وأناسيّ عيونها. فمن ذلك ما كتب به إلى الأمير أبي الفضل الميكاليّ يعاتبه:
يا سيدا بالمكرمات ارتدىوانتعل العيّوق والفرقدا
مالك لا تجري على مقتضىمودّة طال عليها المدى؟
إن غبت لم أطلب وهذا سليمان بن داوود نبيّ الهدى
تفقّد الطير على شغلهفقال: مالي لا أرى الهدهدا؟
ومن ذلك قوله:
وسائل عن دمعي السائلوحال لوني الكاسف الحائل
قلت له والأرض في ناظريأوسع منها كفّة الحابل:
/بليت، والله، بمملوكةفي مقلتيها ملكا بابل
فإن لحاني عاذل في الهوىيوما فما العاذل بالعادل
وأنشدني الشيخ والدي، رحمة الله عليه، قال: أنشدني لنفسه:
ولو انّني أنصفت في إكرامهلجلال مهديه الكريم الألمع
لقضمته حبّ الفؤاد الحبّهوجعلت مربطه سواد المدمع
وخلعت ثم قطعت غير مضيّقبرد الشباب لجلّه والبرقع
وله:
سقيا لعهد سروريوالعيش بين السّراري
إذ طير سعدي جوارمع امتلاك الجواري
وغيم لهوي مطيروزند أنسي وار
أيام عيشي كعوديوقد ملكت اختياري
أجري بغير عذارأجني بغير اعتذار
وله في الشّكوى:
ثلاث قد منيت بهنّ أضحتلنار القلب مني كالأثافي
ديون أنقضت ظهري، وجورمن الأيّام شاب له غدافي
وفقدان الكفاف، وأيّ عيشلمن يمنى بفقدان الكفاف؟
وله في معناه أيضا:
الليل أسهره فهمّي راتبوالصبح أكرهه ففيه نوائب
فكأنّ ذاك قذى لطرفي مسهدوكأنّ هذا فيه سيف قاضب
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع