من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
ابنه ركن الدين إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك
فتى الفتيان ومن أنجب به الفتيان، ولم يخرج مثله المفتيان، عنيت محمد بن إدريس والنعمان بن ثابت. فالفقه فقه الشافعيّ، والأدب أدب الأصمعي، وحسن بصره بالوعظ كالحسن البصري. وكيفما كان فهو إمام كلّ إمام، والمستعلي بهمّته على كلّ همام، والفائز بالظفر
على إرغام كلّ ضرغام. إذا تفقّه فالمزني من مزنته قطرة، وإذا تكلم فالأشعريّ من وفرته شعرة. وإذا خطب ألجم الفصحاء بالعيّ شقاشقه الهادرة، ولثّم البلغاء بالصمت حقائقه النادرة. ولولا سدّه مكان أبيه بسدّه الذي أفرغ على قطره قطر بانيه لأصبح مذهب الحديث حديثا، ولن يجد المستغيث منهم مغيثا. وله شعر لا يكاد يبديه، وأرجو أن يضيفه قبلي إلى سوالف أياديه. وهو وإن غطّاه فكيف تصبر عن التبرّج في حلاه الآداب العواطل؟ وإن أخفاه فهل يخفى على
الناس الرباب/ الهاطل؟ ولا بأس من أن يحصّل المغرى، ويكثب المرمى فتكرن فوائده لأنسي الحائل نتاجا، وفوائده لرأسي العاطل تاجا.
وقد بيّضت هذه الصفحة انتظارا مني لتلك اليد البيضاء، وانتجاعا لتلك الروضة الخضراء وحقّ لمن استجلس مجلس إفادته أن يظفر بإرادته، ويجد روضا وغديرا، ويرد عينا يشرب بها عباد الله، يفجرونها تفجيرا.
الشيخ أبو الحسن عليّ بن عبد الله الدلشاديّ
كاتب ديوان الحضرة الغزنوبة، وكان طويل الباع [بها]، عريض الجاه فيها. كتب إلى ابنه أبي الفتح جوابا عن كتاب تقدّم منه إلى أستاذه في الإعتذار، عن سابق جفوة، وبادر هفوة، [تبدو أمثالها من الأغمار الأغرار]:
أبا الفتح، إني قد تأملت رقعةكتبت إلى الشيخ الأديب أبي الفتح
شكوت إليه أنّ أمرك مظلموأنّك مطويّ على كمد برح
تماديت في غيّ وما كان ثانياعنانك عنه كثرة الوعظ والنّصح
ومن يك في شوط البطالة مجريايكن ليله ليل الضرير بلا صبح
أما تخطىء الأيام فيك بأن ترىوقد فزت يوما في قداحك بالنّجح
فإن صحّ منك الإرعواء إلى الهدىمن الغيّ قابلت الخطيئة بالصّفح
عسى الله بعد العسر يعطيك يسرهوينعم بعد الجدب بالديمة السحّ
قلت: كان أبو الفتح هذا معنا بالبصرة ولم يكن عاريا من الفضل، ولا عاطلا عنه. [فمرض بها مدة، فإذا أنا به يوما من الأيام]، وقد توسّد
ظلّ نخلة بالأبلّة، وقضى نحبه فدفنّاه بها، وذلك في شوال سنة خمسين وأربعمائة /
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع