تجاوز إلى المحتوى

من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)

الشيخ أبو نصر سعيد بن الشاه

نظمتني وإيّاه صحبة الكتّاب، ونشأنا معا في حجور الآداب.

وكان، رحمة الله عليه، صورة الظرف مجلوّة، وسورة الفضل متلوّة.

واحتضر وعود شبابه ناضر، واختضر والدهر بطرف ظرفه ناظر. فيالهفي على شمله وقد اخترق، وأصابه إعصار فيه نار فاحترق.

ومما سمعته ينشد لنفسه في صباه قوله:

قالت: اسودّ عارضاك بشعروبه تقبح الوجوه الحسان
قلت: أشعلت في فؤادي نارافعلى وجنتيّ منها دخان

وهذا من أملح ما قيل [في مثله]؛ ومدح الشيخ الإمام الموفّق، [﵁] ونحن في الكتّاب بهذه القصيدة:

يا من به يعرف المعروف من جحدهومن به يجد الإنسان من فقده
وقد عنيت به الشيخ الامام أبامحمد سيد السادات والمجده
ذاك الّذي لم يزل للخير مصطنعاعند الورى مطلقا للمكرمات يده
لا عيب فيه سوى عيب وذلك أنلا عيب فيه يقيه عين من حسده
ما مات آباؤه إذ كان يخلفهملكنّ آباءه صاروا به خلده
يا مرحبا بكريم صار والدهإذ نال فخر الورى زين الهدى ولده
أجدّ للعلم عزّا (كان غاب لهوراح للعلم روحا سالكا جسده
وقد تعجبت إذ حقّ التعجب منقوم يعادونه لم يصبحوا قرده
/ إني قصدت بآمالي ذرا رجلطلق اليدين جواد فاز من قصده

[ومنها]:

قصدت من ظنّ أنّ الجود مفترضوأنّ في تركه العصيان واعتقده
وقد نشأت بما قد كان يرفدنيفخلت (عيني وروحي) بعض ما رفده

وله من [قصيدة] أخرى نظامية [يقول فيها]:

أظاعن أم مقيم أنت يا خلدي؟فانني أول الغادين بعد غد
غدا أودع قوما أودعوا كبدينارا وعهدي بهم بردا على الكبد
أبدي التجلّد أحيانا فينهرنيريق يجفّ وخدّ بالدموع ندي
لا أنس يوما تنازعنا حديث نوىوقولها، وهي تبكي خانني جلدي
فدمعها برد فوق العقيق بداولفظها ضرب قد شيب بالبرد
كنا إلى الوصل أخلدنا فنغّصههذا الرحيل الذي ما دار في خلدي

ومنها أيضا في المدح:

البدر نام فلم أستنّ في ظلم؟والبحر طام فلم أمتصّ من ثمد؟
أبو عليّ نظام الملك أكرم منساس البريّة فاستولى على الأمد
قامت له في قلوب الناس قاطبةمهابة فأقامتهم على الجدد
لمّا انتضي ملك الإسلام عزمتهفي الغزو وافاه نصر الله بالمدد
أسرى إلى الروم في ملمومة عصبتفيها العجاجة عين الشمس بالرمد
وجاء كالريح يسفي الرمل عاصفهافاجتاح جيشا يوازي النمل في العدد
/أتراكه بسيوف الهند ما تركتللروم إذ رامها رأسا على جسد
ريب الزمان على العاصي له رصدفمن نجا منه لم يفلت من الرّصد
يا سيد الوزراء القرم أصغ إلىعبد أتاك لمحض الودّ معتقد

[وختمها بقوله]:

أحسن كما أحسن الباري اليك وقدفعلت لكن كما زاد الإله زد

قلت: كان والد أبي نصر هذا نديم العميد أبي نصر بن مشكان، وعندليب مجلسه ينازعه الكؤوس على السعادة، وينظم له طرفي الأنس بين القضيب والوسادة. وكان كلامه [يميل] إلى الاقتباس ولا يفارق شفاهه إلّا بعد طول المكاس، كمحابس ماء الورد، لا يكاد يجود به لضيق الحلوق، فيتردّد فيها تردّد أنفاس المخنوق. ثم إذا اندفع في صياغة الألحان، أنشط بنانه عقال اللسان. فأدّى على أحسن هيئاتها الأغاني، وملأ من طيب سماعه الأسماع، لما يحقّق الأماني. ويشبه البشائر والتهاني، وبيد الله الإنشاء وهو الذي يزيد في الخلق ما يشاء.

وزعم يعض المفسرين أنّه أراد بزيادة الخلق طيب الخلق. وزعم آخرون أنّه عنى بها الحسن في الوجه، وهذا أيضا مستنبط على الوجه. والله ﷿ أعلم بالصواب، وعنده العلم بما في أمّ الكتاب.

النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «دمية القصر وعصرة أهل العصر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.