تجاوز إلى المحتوى

من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)

أبو القاسم عبد الصمد بن علي الطبري

هو لناصح الدولة أبي محمد الفندورجي من حيث النسب خال، ولخدّ الظرف من حيث الزينة خال، ولشائم برق الفضل من حيث النّجعة خال.

وقد لقيته بنيسابور سنة خمس وعشرين [وأربعمائة] شابا طريّا./

يفري في النظم والنثر فريّا سريا، وينشر من حلل الخطّ وشيا عبقريا.

واتفقت له في خدمة العميد طاهر المستوفي إلى الريّ حركة، فأفلحت

نهضته، وأنجحت ركضته، وعاد شاكرا من لدبه، ومواهبه أملاء يديه.

ولو سكت عنه لأثنت حقائبه عليه. ولم تطل [به] الأيام حتّى اصطفاه العميد أبو نصر بن مشكان لمنافثته، وارتضاه لمناقشته. وجمّل به ديوان رسائله لما تفرّس من النجابة في شمائله، وحمله في بعض أسفار الهند معه، فحكى لي القاضي أبو جعفر محمد بن اسحق البحاثيّ قال: [نزلنا ليلة من الليالي على شطّ حيّة طامية بعيدة العمق تزلّ بالأقدام فرض مشارعها، وينعي من لا يحسن السباحة نقيق ضفادعها. قال: فشربنا ذات ليلة مع العميد أبي نصر بن مشكان، فخلع أبو القاسم عذاره على العقار، واستدار لتناوب القدح المدار. وجرت له مع العميد مناظرة في تفسير بيت للمتنبي، فكانت تلك المناظرة داعية حتفه إي وربّي، فاشتدّ لجاجه، واحتدّ مزاجه، وقام من المجلس وقد غلبته السوداء والصفراء، وحضرته المنية

الحمراء. فرجع إلى مضربه/ يهز العطف من غلوائه، ويرود الأرض فضل ردائه. قال القاضي: وكان عندي أنّ يد المدام خاطت أجفانه بالمنام.

فما راعني في تباشير الصباح إلّا غلامه، وقد حركني للتنبيه، وثكل مولاه باد فيه. وأخذ بيدي فخاصرته إلى الشطّ. وإذا أنا به، وربّ السماء، طافيا على [وجه] الماء طفو القذى. وهل تكون المحنة إلّا كذا؟ ورمى الغلام بنفسه إلى الحيّة سابحا إليه وأعلقه أنامل يديه واجتذبه إلى الساحل نائحا عليه، فرقّ القلب لذلك الصديق ثم لذلك الرقيق، وقد شقّ القميص على لبّته، وشوى القلب بحبّته، على ما فيهما مقلى محبته، وحقّ له وللفضل أن تتدفّق مآقيهما بالمطر، وتختنق تراقيهما بالوتر]. أما أنا فقد عجبت إذ سمعت أنّ نهرا أغرق بحرا، فاستنبطت معنى غريبا إذ حكوا لي [من أمره حالا] عجيبا؛ زعموا أن سفينة فوائده كانت معه في الماء الذّي ابتلعه. فقلت: يا عجبا كيف غرقت نفسه المسكينة، وفي كمّ قميصه السفينة؟ وله شعر حسن ضاع أكثره، ويكفيك منه أثره. فمنها ما أنشدنيه لنفسه، وهو معنى لم يسبق إليه:

دعني أسر في البلاد مبتغيافضل شراء إذ لم يفر زانا
فبيذق النّطع وهو أحقر مافيه إذا سار صار فرزانا
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «ذرني أسر في البلاد مبتغيا»

وكانت في بيت كتبي قصيدة له بخطّه، علق بحفظي منها بيت، لا يكادّ ينقضي إعجابي به، وتعجّبي منه، وهو:

حمّر يدي بالكاس فالروض مخضرّ الرّبا قبل اصفرار البنان قلت: أبصر كيف لوّن/ زهرات هذا الباغ، وكيف تأنّى بخلط هذه الأصباغ؟ وبينه وبين الشيخ والدي معارضات ومقارضات، منها قصيدة نونية كتب بها إليه ومطلعها:

بيض الدمى وقفت دمعي على الدّمنومعهد الحزن أغرى القلب بالحزن
بانوا بهيفاء يغزو سهم مقلتهاقلب المتيّم في جيش من الفتن
شمس على غصن هام الفؤاد بهايا ويح قلبي من شمس على غصن

النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «دمية القصر وعصرة أهل العصر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.