تجاوز إلى المحتوى

من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)

الشيخ الفقيه أبو الحسن علي بن أحمد الزاوهي

علم العلم وذو فنونه، حتى كأنّه أبو قلمونه، إذا حاضر بسطنا الحجور لالتقاط [الدرر] و اللآلّىء، وإذا أملى ترك القراطيس أملاء [الفوائد بتلك] [الأمالي]. وإذا وعظ استمال القلوب الشاردة وعظه، واودى الأكباد وداواها وعيده ورعده. وإذا نثر فالبلغاء في سكك خدمته

[متّصلون] منتظمون. وإذا نظم فالشعراء من حوله منفضّون منتثرون.

وقد فرع بنيسابور مدة أعواد المنابر، ونزف الفضلاء في انتساخ خطبه مداد المحابر. واتّفق أنّ الدهر ضرب على صماخه بصمّام الصمم، فكأنّ ثقل تلك الحاسة منه زاده خفّة، أو كأنّه أغنمه، تفاديا عن استماع الفواحش وعفّة، ومن عجيب أمره أنه من الصمم بحيث أقول في غيره:

/ وأصلخ في منفذي سمعهصمام من الصمم المطبق
للشاعر الباخرزي، من قصيدة «وأصلخ في منفذي سمعه»
فلو نفخ الصور في عصرهلأفلت حيّا ولم يصعق
للشاعر الباخرزي، من قصيدة «وأصلخ في منفذي سمعه»

ثم إذا خطّ صاحب غرض ببنانه على ظهر كفّه، وقف على المراد، [وجعل ينوب] البنان عن الأنبوب المغموس في المداد، حتّى كأنّ تحت كلّ شعرة من شعرات بدنه، واعيا مصغيا بأذنه، وذاك لعمري كالرقم على بسط الماء، أو كالنقش على الهواء بالهباء. وقد افتنّ الفضلاء في مدحه بالطّرش، وقالوا فيه ما ينوب مناب الماء عند ذوي العطش. وأبرع وأبدع وأجمع ما قالوا في معناه قول والدي، ﵀:

قالوا: عليّ بدا في سمعه خللفقلت: عند استماع الفحش والخطل
للشاعر الباخرزي والد صاحب الدمية، اقرأ القصيدة
بل كان طود الحجى، صلّ الدهاء، قنا الططراد في الرأي والإنذار والجدل
للشاعر الباخرزي والد صاحب الدمية، اقرأ القصيدة
وكنّ يدعين صمّا فادّعى صمماتشبّها بالقنا والصلّ والجبل

وكتبت إليه رقعة، أستهديه ما يليق بكتابي هذا من غرره ودرره، فأجابني بفصل قال فيه:

[لولا أنّ أمر فلان سميّي وكنيّي ووليّي، لا زالّ كاسمه عليّا، لا يقابل إلّا بالأمتثال ولو بقلم الاستعجال، والارتجال، لصنت كتابه العزيز عن مقولاتي ومنقولاتي ولكن:

قلت لما كتبته غير راض:ربّما كان للقبيحة بخت

قال: فمما قلته في ابتداء مطلع [مديح] مولانا الصاحب [الأجلّ] نظام الملك، ﵀، وكان ذلك [في يوم مطير] قولي فيه:/

طلع الوزير فزاره الغيثعجلان ما في صوبه ريث
لم لا يزور الغيث ذا كرمعبدا يداه الغيث واللّيث؟

[وأنشدني لنفسه في خدمة نظامية له]:

يا من به نظم الممالك كلّهاوبرأيه راياتها منصوره
حقّق رجاء الزاوهيّ بنظرةفعليك آمال الورى مقصوره

ولما مني بالوقر الذي نسبته إليه في ابتداء ذكره قال:

إلى كم أشتكي وقري كأنّيوحيد في الأذى من غير ثان
ولم لا أكتسي صبرا جميلاوحسن الصبر للحدثان ثان؟
ولكن كيف أحتمل الرّزايابجسم مثل واحدة المثاني؟
أزل فقري ووقري يا إلهيبحقّ الرّسل والسبع المثاني

وله في بعض ما ناجى به ربّه:

دعواتي ناجياتبك عن ذلّ الحجابه
لأنادي في بلاديدعواتي مستجابه
وردت بابك ظمأىفاسقها ماء الإجابه

وأنشدني لنفسه:

لا أنس يوم العيد يحجب وجههعني وعمدا كنت قد قابلته
نلت الأماني كلّها لو أننيمثل الذي قابلته قبّلته

وله [يخوّف بعض الجبابرة مجانيق الأشعار]:

أدعو عليك ولا أراك تخاف) عادية الدعاء
ولدعوة المظلوم مضطرب فسيح في السماء

/وقال يرثي ولدا له اسمه [صاعد] توفي وهو ابن أربع سنين:

يا صاعدا قلل المنايا قبل وقت صعوده
ومفارقا دار النّحوس إلى مقيل سعوده
لو كان موت مخلفاللحيّ في موعوده
أبقى عليه ولو بجدّته ونضرة عوده
لكنّ ذلك منهللا مكث دون وروده

وقد كانت له والدة من القانتات العابدات، وواردته منهل البقاء سنين، حتى ناطح في ظلال بركاتها الستين. ولم يزل مغناه بها مصعد الدعوات المقبولة، ومهبط البركات المأمولة. وكنت أنا شديد الاستظهار بدعائها فقد أنزلتني منها بمنزلة بعض أبنائها. وفجع الفقيه أبو الحسن بها، وسلب برد الحياة بسببها. فلم أر شيئا أشبه بطفل مفطوم منه حنينا إليها، وعضّأ للأنامل عليها. فمما أنشدني [لنفسه] من مراثيه فيها قوله:

بمقبرة الحسين أزور أمّي[ونار القلب تستعر استعارا]
أروّي قبرها دمعا وأروي:[دع العبرات تنهمر انهمارا]

وقوله:

وإني لآتي قبر أمي فأشتفيبرؤيته والوجد فيّ شديد
كما نظرت حنّانة نحو بوّهاتسلّت به والسقب منه بعيد

وما أحسن ما قال ابن الرومي في ميميّته الفائقة التي لم يرث ولد والدة ولا والدا بأحسن منها:

/ وما الأمّ إلا أمّة في حياتهاوأمّ إذا ماتت وما الأمّ بالأمم
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أفيضا دما إن الرزايا لها قيم»

وعارضته أنا بقولي، في مرثية والدي، رحمة الله عليه، بقصيدة غير قصيرة:

وما الأب إلّا الأب ما عاش لابنهوآب له طيب الحياة إذا بلي
للشاعر الباخرزي، من قصيدة «وما الأب إلا الأب ما عاش لابنه»

ولست أقول: إني أربيت عليه، أو زدت، وقاربت درجته أو كدت.

ولكنّ المصدور ربّما نفث فاستراح، والنسيم ربما نشر سرّ الروض فباح.

الفقيه أبو الحسن عليّ بن محمد بن عبدونه

كتب إليه عثمان بن محمد الخشناميّ من بعض القرى، وذلك بعد طول مقامه بها:

عزاء فلدغ الهمّ للقلب محرقودفع الهوى للصبّ بالصبر أوفق
شكوت وما تجدي الشكاية بعدمانوى لي النوى من كنت أهوى وأعشق
بكيت وهل يشفي البكاء إذا أنىمن الأمر مقضيّ وحمّ التفرّق؟
مقيما بأرض ما بها غير أحمقيكدّر عيشي قربه ويرنّق
نهاري فيها بالذّباب منغّصوإن رحت فالبرغوث جلدي يمزّق
يغرّمني العمّال مالا قضيتهوعندي خطّ بالبراءة ينطق
وما ذاك إلّا من شريك يكيدنيبما يتّقيه المسلم المتحقّق
ويظهر ودّي شائبا بنصيحتيوإن عنّ لي مال يخون ويسرق
أراحني الرحمن منه بفضلهفما هو إلا قرطبان ممخرق
وصيّر بغضي للتفرق خيرة[فطول مقام المرء في الحيّ مخلق]

/

فأجابه عنها ابن عبدونة هذا بقوله:

دموع بما ألقى من الوجد تنطقوقلب بنيران الصّبابة يحرق
ولو كنت ذا طرف يحلّ به الكرىرأيت خيالا للحبيبة يطرق
أنوح إذا ما لاح برق تأسّفاوأندب إن ناح الحمام المطوّق
ولي عبرات كلّما رمت كفّهابكفّي همت في صحن خدّي تدفّق
بنفسي من لا تهد دلّا سلامهاوليس لها في ذاك إلّا التفتّق
وكم ليلة مدّت علينا رداءهاوفيها سهام الكاشحين تفوّق
أغاز لها والنجم يرنو بمقلةمسهّدة تحكي فؤادي فيخفق
منعّمة شقّت عن الليل بردهففي وجهها للشمس والبدر مشرق
سأصبر حتى تنقضي دولة النّوىويهتزّ لي عود اللقاء فيورق
وكنّا زمانا نجتني ثمر المنىإذا ذكرت كادت لها النفس تزهق
كأنّ الدّجى بحر جمان نجومهكأنّ الهلال حين يغرب زورق
فبادر وخلّ القوم بالنار واغتنمخلاصك منهم فهو بالحال أليق
حكيت وحقّ الودّ مني عجيبةمتى عدلوا أو أنصفوا أو تحلّقوا

[وعلى ذكر]:

النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «دمية القصر وعصرة أهل العصر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.