من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
الأديب أبو جعفر القاسم بن أحمد بن علي السابزواري
حدّثني الأستاذ يعقوب بن أحمد/ ﵀، قال: كان هذا الأديب جميل العشرة، غزير المحفوظ، مستوفيا من أصول الأدب وفروعه أتمّ الحظوظ.
تختلف إليه أبناء المياسير فتقرّ به عيونها، ويجلو بمدوس تأديبه صدأهم، حتى كأنّهم صفائح بصرى أخلصتها قيونها، قال: وكتب إليّ:
قولا ليعقوب شمس الفضل والكرمومنبع المجد والآداب والحكم:
مالي كتبت إلى مأنوس مجلسهفلم يجبني بما يجلو صدى غممي؟
ما ضرّه لو سما بي رقم أنملهأو أنّه وشم الحسّاد بالرّغم
أنبوة عن جلالي بعد ما ظهرتله خلالي ودلّته على شيمي؟
ألم تكن نسبة الآداب تجمعناوالفضل يوجب رعي العهد والذمم؟
أصبحت والبين يذويني ويكلمنيفداو كلمي، فدتك النفس بالكلم
ولو أجاب عن المكتوب محتسبالانجاب عني ظلام الريب والتّهم
يا حبذا معشر أضحوا وقد جمعوابنور وجهك بين الروض والدّيم
هم بقربك في روح وفي دعةيا ليتنا معهم أو ليتنا بهم
وقد فزعت إليك اليوم معتصمابحبل فضلك يا كهفي ومعتصمي
بليت بالحرفة الممقوت صاحبها،شوهاء طلعته كالغول في الظلم
إذا نسبت إليها ذبت من خجلكأنني سارق الحجّاج في الحرم
وهذه نفثة المصدور أرسلهاإليك صاحبها فاعذر ولا تلم
لا زلت في عزّة قعساء راسيةقد زيّنت بطراز الفضل والنعم
/قال فأجبت عنها بقولي:
الروض روض الرّبا فاحت روائحهوقد سقاها أصيلا واكف الدّيم
أم ذات دلّ شموس كاعب فنقحسّانة البرد والبرديّ والعنم
لا بل قواف أتتني جدّ رائعةتحوي عتابا كحدّ الصارم الخذم
كيمنة حبّرتها كفّ مبدعةسحّارة الرقم بالكفّين لا القلم
يا همّة حازت الجوزاء عاليةمن قاسم خير من يمشي على قدم
[أيستجيز (امرؤ إغفال واجبكم)؟كلا فذلك ورد عافه شيمي]
ما كنت مذ كنت بالتقصير متّسماوعن حقوق صديقي قطّ لم أنم
أمّا الشكاة التي فصّلت جملتهامن حكم دهر غشوم جار في القسم
وحرفة قرنت بالحرف واضعةعوارها غير مستور ومنكتم
فلا وربّك ما أخطأت موضعهامن المذمّة لكن زدت في غممي
أنا الشريك فطب نفسا بما رزقتتطب حياتك واذكر سالف الأمم
قلت: وأنا أستطرد من هذه الأبيات إلى ذكر مؤدّب لي، لم يحمد والدي، ﵀، يده على تلامذته، فقال يشكو ما نقم عليه من غفلته ويهجوه على سوء معاملته:
ألا قل للمؤدب حين يخلو:عرتني من تغافلك السآمة
فإن لم تدر للتخريج نهجاألم تدر الخروج على السلامة؟
وكتب الأديب أبو جعفر إلى الأديب يعقوب أيضا:
أقول لمن يتوق إلى المعاليويتعب دائما فيها ويجهد:
/
تؤمّل أن تفوز بكلّ فضلكأنّك صرت يعقوب بن أحمد؟
كريم طاب عنصره فأضحتأحاديث العلاء إليه تسند
وبي ظمأ إلى لقياه برحفهل لي أن أفوز به وأسعد؟
وقد أحببت أن أصف اشتياقيبنظم رائق حسن مسدّد
فلجّ الطبع وانسدّ المعانيلما في الصدر من غصص تردّد
عذيري من زمان ليس يجديعلى حرّ بعيش غير أنكد
وله:
قد كنت أحسب أنّ هجوك منكروجفاء مثلك في الكرام عقوق
حتى بلوت ذميم فعلك مرّةفعلمت أنّك بالهجاء خليق
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع